2017/06/26 الإثنين 02 شوال 1438

الثورة السورية ومقولة جيفرسون

في عام 1793، عندما كانت "الثورة الفرنسية" تتحول إلى الفوضى والوحشية، كتب الرئيس الامريكي توماس جيفرسون: "كنت سأفضل أن يخرب نصف الأرض، بدلاً من أن تفشل الثورة".

يرى كثيرون أن هناك مؤامرة ضد الثورة السورية تهدف إلى إفشالها، أو إبادة الشعب السوري كما يتوهم البعض الآخر، يجري هذا في الوقت نفسه الذي يتوهم فيه نظام الأسد أيضا أنه يتعرض لمؤامرة شبيهة، ويوهم أتباعه بهذه الخرافة.

لكن الحقيقة أن ونستون تشرشل لامس الواقع تماما حين قال: "في السياسة ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم هناك مصالح دائمة". وهنا يجب الاعتراف بخبرة نظام بشار الأسد السياسية، واستطاعته خلق مصالح لإيران وروسيا، اللتين كفلتا استمراريته الى الآن، ولن نتحدث هنا عن بيع نظام الديكتاتور بشار للوطن السوري في سوق الاحتلال الأجنبي، لأن ما يعنيه هو الاحتفاظ بالكرسي، ولو كان مجرد مقعد في سوق للنخاسة، فيكون هو كبير العبيد فيه.

 أما قوى الثورة السورية أو المعارضة السورية، مع تحفظنا على التعبير، فما تزال في إطار الشكوى، ورد الفعل، والتصريحات الإعلامية، التي تحمل صبغة سياسية، ويرى الكثيرون أن هذه القوى المعارضة لم تنضج بعد لتصل إلى مستوى إدارة مصالح الثورة بدلاً من التعبير المستمرعن خيبة الأمل من الموقف الدولي إزاء القضية السورية، خاصة من الدول الغربية التي لها تجارب عميقة ومتجذرة في الحرية والديمقراطية، وهؤلاء جزء كبير من قوى الثورة، والجزء الآخر من المعارضة هم من القلائل حول العالم الذين ما يزالوا معجبين بديمقراطية ما يسميه فوكوياما الـ"قومية البترولية" لفلاديمير بوتين.

أمام هذه الأمزجة المتناقضة لقوى الثورة والمعارضة السياسية تضيع مصالح الثورة في أذهانهم لتبقى مواسم الشكوى، ومنها ما نسمعه الآن من ندب إعلامي لما يحدث لحلب وأهلها، وهذا لن يوقف القصف الجوي الروسي بالصواريخ الارتجاجية على المدنيين في حلب، بل إن بوتين ووزيره لافروف يضيفون بجرائم الحرب هذه إلى رأس المال السياسي الكبير في إدارة مصالحهما مع الولايات المتحدة والأوربيين وتركيا وإيران والعرب أيضا، ويبدو أن لا أحد  سيحاسب روسيا على جرائمها، بل سيقدمون لها الشكر، إذا عادت إلى ما يسمى اتفاقية وقف الأعمال القتالية، وهي في الحالتين رابحة، فإذا ما نجحت الاتفاقية، سيتم عزل «جبهة فتح الشام»، وتستعيد روسيا قدراً من الشرعية الدولية، أما إذا فشلت، فستستفيد روسيا من احتمال ابتعاد قوى الثورة السورية أكثر عن الولايات المتحدة.

 أما إيران فتزحف على مستقبل السوريين بتهجير السكان الأصليين من مدنهم وقراهم، وتمويل عملية استيطان خبيثة بصمت، بالمال والبشر.

ولكن إلى متى ستبقى الثورة السورية بلا ثوار سياسيين يجيدون إدارة مصالحها، ولا يهتمون ببيع الطشيش على هامش المؤتمرات، وفي مناسبات قتل الشعب السوري بأشكال متعددة؟

ونختم بما بدأنا به مع جيفرسون وقوله: "ولو لم يتبقَ سوى آدم واحد وحواء واحدة في كل بلد وكانا أحراراً، لكان الحال أفضل مما هو عليه الآن".

عماد السعدي

التصنيف: مقالات وترجمات

التعليقات

البث المباشر خاص

Loading the player...

الأكثر قراءة خاص

There are no voted contents.