2018/04/24 الثلاثاء 08 شعبان 1439

لكي نوقف خداع من ينتحلون الربيع ... أدونيس وفتىً اسمه ..حمزة الخطيب

بقلم: المثنى الشيخ عطية 

في اللحظة الشعرية السورية يبدع السوريون ربيعهم بالتظاهر، يراكمون النسغ الحي داخل نباتات أرضهم بالدم الذي ينزف من شهدائهم، ويقدّمون الشهادات... 
أمام الدبابات يقف الفتيان عراة الصدور في تأكيدهم على سلمية احتجاجهم، وبدلاً من أن يحملوا الأكفان، الفتيان يخرجون عراة الصدور، لتتولى أمهاتهم إن حصلن على جثثهم بعد ذلك تكفينهم بالأبيض والورد وأغصان الزيتون والدموع والزغردات... 
فتيان سورية يبدعون ربيع حريتهم في الشوارع، قتلى لكن شهداء عيانٍ أمام العالم، عراة لكن بهاتف محمول: "أطلق عليّ النار، لكنني سأصورك".. و"تعالوا انظروا الدماء في الشوارع"...


**** **** ****
في اللحظة الشعرية السورية، يتكشف جوهر الصراع، ويتكشف الخوف من مواجهة هذا الجوهر، يتكشف التعامي الذي يقود إلى محاولات بائسة خرقاء في إخفاء هذا الجوهر الذي يتبلور في: نظام وشعب، مع تسليم بميكانيكية هذا التقسيم للاختزال، من جهة: نظام يقوم على حكم العائلة، أقامه بالقوة والاغتصاب أب هو حافظ الأسد، وورّثه بكامل القصدية والتدريب لأبنائه، ليشيع ما سمّي بالجمهورية الوراثية، بعد أن ركّب على هذا المحور عائلات أصغر ربط مصلحتها بمصلحته وغرّى هذا الرباط بالفساد ليجعل حياتها من حياته، وسلّح هذه التركيبة بقوى الأمن والمخابرات والشبّيحة، وحاول ربط الشعب بها من خلال أسوأ ما تتضمنه إيديولوجية البعث القومية الاشتراكية من شمولية، ومن شعارات خدّاعة حول المقاومة والممانعة، وحماها بقوة الأمن العارية من الضمير، وبقوة إشاعة الخوف وإرهاب الشعب بالمجازر.. نظام وجد نفسه يواجه ما صنعت يداه بالشعب السوري في ظل التغيرات والثورات الجديدة... ومن جهة مقابلةٍ: شعب هو الشعب السوري الذي يملك تراثاً تاريخياً في إبداع المعرفة، ولديه تجارب غنية في الاستقلال عن المحتل وبناء الديمقراطية، ولديه أحزاب مدنية ومعارضة ديمقراطية حاول النظام دون جدوى قهرها وشراءها وتفتيتها بالقمع والسجن والتشريد والقتل، شعب وجد نفسه يواجه نظاماً عائلياً مافيوزياً دمّر حياته المدنية وطموحاته في بناء الديمقراطية، وجعل البلاد مزرعة والشعب أغناماً لذئابه... وفي مواجهة هكذا شعب لهكذا نظام، وبمظاهرات سلمية تطالب بالحرية من هكذا شعبٍ لهكذا نظام.. ارتكب النظام مجازر بحق المدنيين تصنّف كمجازر ضد الإنسانية، وطرح الشعب السوري شعاره وأصرّ عليه: "الشعب يريد إسقاط النظام"، وبلور لجاناً تنسيقية ومقدماتٍ إبداعية لإنجاز ثورته الديمقراطية، ولم يعد ينفع في هذه اللحظة التعامي عن هذا الجوهر ومحاولة إخفائه بخلط المعطيات والتباكي البائس على مصير سورية، وطرح مقولة التداعي إلى الإنقاذ الوطني بقيادة أو مشاركة النظام التي تصب دائماً في الاصطفاف مع النظام، وإعداد ضحايا تركيبة هذا الإنقاذ مثل حزب البعث ولا شرط أو اتهام بالتنسيق، كما جاء في خطاب أدونيس للرئيس... 


**** **** ****
في اللحظة الشعرية السورية، من قلب مستنقع الثبات والموت الذي فرضه النظام الوراثي على الحياة السورية يجري نهر التحوّل، يجري التحول بالخوض في نهر التحول حيث لا خوف من الفوضى عندما تُطلب الحرّية، حيث "لا يستحق الحرية من يخاف الفوضى"، ويجري الهروب كذلك بمقولات من يتحجج بالدم، ومن يريد للثورة واهماً أن تكون مرسومة بمسطرة وقلم، يجري نهر الاختلاف وحق الاختلاف... يقف الشاعر الكبير أدونيس في البداية من على ضفته، وطويلاً متسائلاً عن عمق السلفية في هذا الجريان، طالباً "أن يتغير الشعب نفسه قبل تغيير حكامه" وفقاً لاستخلاص الباحثة دلال البزري.. ومع نزيف دم اللحظة الذي يفرض اتخاذ المواقف، يكتب موقفه، بخطاب للرئيس لا يبتعد فيه عن وقفة تأمله الأولى وإقراره للرئيس الذي طاب له التصدير دائماً في تسويفه لأي إجراء ديمقراطي أن الشعب والمعارضة متخلفان عن مفهوم الديمقراطية، وإن أقرّ أنه "لا يصدق العقل ولا الواقع أن يظلّ النظام العنفي الأمني في سوريا قائماً"... ويرسم بهذه الثنائية المأزق كما يسميه وضرورة الخروج منه: التأسيس لنشوء الديمقراطية: "ومن البدء، الآن لا غداً" حيث أنه: "بغير الديموقراطية، لن يكون هناك غير التراجع وصولاً إلى الهاوية"... لكن هذا الرسم وباستهلاك ألفين وأربعمائة وخمساً وعشرين كلمة خارج سياق الواقع والأحداث، يزيح صورة جوهر النظام مستبدلاً إياها بتماثل مختلق بين إيديولوجية النظام الشمولية الرثة وبين فكر المعارضة الديمقراطية المتآلف حول المطالب الرئيسية والمتخالف في ألوانه كما يفترض في الديمقراطية، مع اختزاله للمعارضة أيضاً إلى معارضة سلفية يقف ضدها رغم مواقف سابقة له بمدح إمام السلفية الخميني في قصيدة وبـ "إدراج إمام السلفية محمد بن عبد الوهاب في فكر النهضة"، وفقاً للباحث صبحي حديدي، وتحميل المعارضة المسؤولية، مثل حزب البعث وليس مثل قادة النظام، مع تجنيب قائد النظام وقائد البعث الأول والثاني أي مسؤولية.. إذ يجد حزب البعث نفسه بتصور الشاعر: "أنه متَّهَم ومسؤول تماماً كمثل الجماعات التي تعارضه، عن الانهيار الآخذ في التحقّق، انهيار سوريا وتشـــويه صورتها الحضارية بوحل "الطائفية" و"العشائرية" و"المذهبية" ووحل التدخل الخارجي ووحل التعذيب والقتل والتمثيل بجثث القتلى".. مع جلد حزب البعث الذي يعني كما يعبّر الشاعر عباس بيضون حول ذات الموضوع: "اتهام الثوب والعفو عن الرجل، اتهام القناع بدلاً من تعرية الوجه. أمثلة الخصم وسحقه فكرياً فيما يبقى الخصم الحقيقي، بعيداً عن السمع، مستريحاً على رأس جهازه الأمني والبوليسي وعلى سلاحه الفعلي"...
في اللحظة الشعرية السورية يركب الشاعر الكبير أدونيس قارب الوهم ومن على ضفة النهر أيضاً، ليخاطب رأس النظام المتهم بالتعذيب والقتل والتمثيل بجثث القتلى وجرّ الشعب المصرّ على مظاهراته السلمية إلى الحرب الطائفية.. أن يقود التغيير، لأن المعارضة كما يرى في خطابه هي عدوة التغيير، وأي تغيير: إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تفرض حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع، الحزب الذي يعيش كما يقول الشاعر مأساة "أن يحاربه معارضوه، هو الوحدوي القومي العلماني... إلخ، تحت راياتٍ بينها راية «الطائفية» أو راية «جمعة العشائر» بعد هذه الفترة الطويلة من سيادته وحكمه باسم العلمانية والتقدمية".. وطبعاً خارج توصيف طبيعة النظام، خارج مسؤولية قادة النظام، وخارج سياق وصول الواقع إلى سفك النظام واستباحته لدماء الشعب السوري شباباً وشيوخاً وأطفالاً ونساء، وتهديد استقرار المنطقة بتهجيرهم من ديارهم هرباً من القتل والاغتصاب، وخارج طروحات الثورة الديمقراطية السورية التي تطرح بجميع فئاتها تغيير النظام الشمولي الوراثي إلى نظام ديمقراطي تعددي. 


**** **** ****
في اللحظة الشعرية السورية تزهر التمنيات، وتتسلّق المرارات، وتفصح التجليات عن نجومٍ هاديةٍ وظلامات.. يحمل الشاعر الكبير أدونيس بما يملك من مكانة عالمية بعض أطواف نجاة، ويريد منه بعض محبيه من شعبه ومن كتاب وشعراء، أن يلقيها للناس، لا إلى سفينة النظام الغارقة في الدماء، أن يخاطب إن خاطب هو الذكي العارف أكثر من غيره قاتلهم باسمه صراحة أن يكف عن قتلهم، أن يستخدم خمس كلمات مثل "تعالوا انظروا الدماء في الشوارع" كانت كافية لنيرودا كي يُظهر جثث ضحايا الفاشية للعالم فيحفر في صخر القرن العشرين أمثولة إدانة الشاعر للقتل ووقوف الشاعر إلى جانب الضحية، وانتصار الشاعر إلى الإنسان.

 
**** **** ****
في اللحظة الشعرية السورية، تستعاد التسميات ويعاد إنتاج ما يلقّح الحياة منها بمقومات جريان الحياة، تعاد صياغة الربيع السوري القتيل وجنّات/ آدون، عدن، دوموزي، تموز، والصيغة اليونانية الكونية له: أدونيس.. بفتى خرج لنقل المؤن إلى أهله المحاصرين في درعا، فتى بشّرت به ديانات خصب الربيع الآدوني السوري، ومن بعدها دين المسيح الفلسطيني السوري، ودين محمد العربي السوري، وتراث الشهادة الحسيني الحلاجي المهياري الإسلامي السوري.. فتى في الثالثة عشرة، فتى في عمر التحول، فتى لا توحي براءة وجهه بسوى أن يكون أيقونةً، فتى اسمه حمزة الخطيب.. ليقبض عليه مسوخ نظام العائلة، ويعذّبوه بصورة أقسى من صورة بسمرة المسيح على الصليب، وليقطعوا في دلالة رمزية عن محاولة تعويض عقمهم ومحاولة إيقافهم لخصب الربيع السوري، عضو الإخصاب فيه.. وليرسلو جثته مشوهة على هذه الصورة إلى أهله، أمثولةً عن بطشهم بمن يساعد المحتجين.. غير أن السوريين في لحظتهم الشعرية وببساطة لا شرط أن تكون مدركةً، ومثلما فعلوا قبل ذلك بالعضّ على جراحهم وإرسال صورة قيامة مسيحهم إلى العالم، يزرعون جثة طفلهم في جسد الأرض، ويرسلون صورة فتى ربيعهم، مع صورة أيقونة وجهه المنير كما زهرة تتفتح في ضوء، و: "هذا هو نظام المسوخ القتلة، هذا هو النظام الذي يقتل ويمثّل بجثث الأطفال، وهذا هو طفلنا، هذا شهيدنا، هذه هي معجزات خصب ربيعنا، معجزات مسيحنا، معجزات محمّدنا، معجزات فتياننا، وكلنا حمزة الخطيب".
في اللحظة الشعرية السورية، يبدع السوريون وجه سورية الجميل، ببساطة بطولاتها، نعواتها لشهدائها الذين تزفهم كعرسان، ابتكاراتها لتنسيقياتها، نسجها لعلمها بأيدي أمهات شهدائها، إطلاقاتها الإبداعية لجُمعها وباختلاف واتفاق تسمياتها، لكن بإصرارٍ على وحدة الشعب السوري بجميع أديانه وقومياته وطوائفه ومذاهبه وعشائره.. يبدع السوريون وجه سورية الجميل ماسحين صور التعذيب والقتل والتمثيل بالأحياء والأموات من قبل المسوخ القتلة، بصورة أيقونة شهيدهم الطفل التي تمثل براءة توقهم الذي لن يتوقف إلى الحرية... 


**** **** ****
في اللحظة الشعرية السورية.. تتفجّر شقائق النعمان في سهول حوران، لتعم حقول الوطن السوري الجميل، تتنادى الفتيات والفتيان، تقدم الزهرة الشقيقة ثوبها قانياً للشاعر، لكن يالشقاء الشاعر، يعجز عن ارتداء شعر الأرجوان النفيس، فيخفي دمعته بنثر بائس لرئيس أسقط شعبه شرعيته كرئيس.

 

 نشرت في صحيفة القدس العربي 1\7\2011

التصنيف: مقالات وترجمات, رأي التحرير

التعليقات

البث المباشر خاص

Loading the player...

الأكثر قراءة خاص

There are no voted contents.