نبض سوريا - متابعة
كشفت تحليلات متخصصة أن الصراع المحتدم في الساحل السوري تحول إلى ساحة نفوذ مباشرة بين تركيا و"إسرائيل"، لا سيما في السباق للسيطرة على ثروات الغاز في شرق المتوسط، وسط تغيير ديمغرافي ممنهج وموازين قوى إقليمية متغيرة.
وأوضحت الباحثة في الشأن التركي الإقليمي، هدى رزق، في مقال تابعته وكالة "نبض سوريا"، أن "البلاد أصبحت مسرحاً لتنافس جيوسياسي واقتصادي حاد، يهدف إلى إعادة رسم الخريطة السكانية والتحكم في الممرات والموارد الاستراتيجية".
وفقاً لتحليل الكاتبة، فقد شهد عام 2025 موجات نزوح قسري وعمليات قتل جماعي طالت الطائفة العلوية في مناطق جبلة وبانياس وريف اللاذقية الاستراتيجية، التي تطل مباشرة على مكامن الغاز المحتملة، معتبرة أن "هذه العمليات تهدف إلى إنهاء الوجود السكاني المرتبط بالنظام السابق، لتمهيد الطريق أمام تنفيذ مشاريع تنقيب جديدة مع شركات تركية ودولية".
وربطت رزق بين عمليات التهجير الممنهجة ومحاولة خلق واقع ديمغرافي جديد، يسهل منح امتيازات التنقيب لشركات محددة، مثل الشركات التركية أو الأمريكية "كونوكو فيليبس"، التي وقعت مذكرات تفاهم مع الحكومة الانتقالية في دمشق، مؤكدة أن الثروة الغازية برزت كأحد المحركات الخفية للصراع الدائر.
وأشار التحليل إلى أن تركيا تسعى لترسيخ نفوذها في الساحل السوري لتأمين حقوق التنقيب في شرق المتوسط، حيث أعلن وزير الطاقة التركي في ديسمبر 2025 عن خطط لتوقيع اتفاقية تنقيب قبالة السواحل السورية عام 2026، ويتطلب هذا الاتفاق، بحسب المصادر، بيئة مستقرة وموالية في محافظتي اللاذقية وطرطوس، مما يفسر الدعم التركي للفصائل المسيطرة على تلك المناطق.
وتشير الكاتبة أن الدوافع التركية تتركز في تخوفها من تحول الساحل إلى كيان علوي مستقل يشبه الإدارة الذاتية الكردية، مما قد يشجع الملايين من العلويين الأتراك داخل حدودها، خاصة في لواء إسكندرون (هاتاي)، على المطالبة بحقوق انفصالية، كما تهدف أنقرة إلى كسر السطوة الأمنية والعسكرية التقليدية للعلويين، واستبدالها ببنية أمنية تحت إشرافها المباشر.
من جانب آخر، ترى رزق أن الدور الإسرائيلي اتسم بالبراغماتية، حيث تعتبر "إسرائيل" أن تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية يخدم أمنها عبر محاصرة تركيا، لكنها في الوقت نفسه ترى في التمدد التركي نحو غاز الساحل تهديداً مباشراً لمصالحها في حقلي "لوفياثان" و"تمار" الغازيين.
ولذلك، سعت "إسرائيل" إلى دعم قوى محلية أو إثارة ملف "حماية الأقليات" لعرقلة السيطرة التركية الكاملة على الساحل، ومنع تحوله إلى منطقة نفوذ اقتصادي خالص لأنقرة.
أما بالنسبة للدور الروسي، فأشار التحليل إلى تحوله من داعم للنظام السابق إلى "لاعب براغماتي" يحاول الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية مع السلطة الجديدة، مع أداء دور محدود في حماية الأقليات. ورغم وصفها المجازر بـ "تشبه إبادة رواندا" في مجلس الأمن، واصلت موسكو التنسيق مع الحكومة الانتقالية لضمان بقاء قواعدها في طرطوس وحميميم، باعتبار استقرار الساحل ضرورياً لأمنها القومي.
وتستخدم روسيا ملف المجازر، وفق التحليل، كورقة ضغط للحصول على تنازلات اقتصادية في قطاعي الغاز والفوسفات، وتتصور نفسها كضامن وحيد ضد حرب طائفية شاملة، وفي مفارقة لافتة، ترى "إسرائيل" أن الوجود الروسي عامل استقرار يمنع انهياراً ديمغرافياً شاملاً قد يؤدي إلى موجات لجوء وتطرف على حدودها، كما أنه قوة موازنة لطموحات تركيا، مما يدفع "تل أبيب" للضغط على واشنطن لضمان بقاء القواعد الروسية.
يخلص التحليل إلى أن السيطرة على الساحل السوري تعني التحكم في محطات معالجة الغاز وموانئ التصدير، وهو ما جعل إخلاء هذه المناطق من العلويين أولوية أمنية واقتصادية متعددة الأطراف، وليس التهجير مجرد عمل انتقامي طائفي، بل هو جزء من استراتيجية إقليمية أوسع لتأمين "سوريا المفيدة" اقتصادياً، حيث يعد الغاز المحرك الرئيسي لإعادة إعمار البلاد تحت النفوذ الإقليمي الجديد، في ظل صراع معقد تتقاطع فيه المصالح وتتصادم الاستراتيجيات على أرض الساحل السوري.