نبض سوريا - خاص
في الغرف المغلقة في باريس، حيث تُدار المفاوضات بعيداً عن العلن، لا يبدو أن ما يُناقش هو مجرد ترتيبات أمنية أو مشاريع تنموية، بل مستقبل جنوب سوريا ككيان سياسي وجغرافي. فالمقترح الأمريكي المطروح، برعاية مباشرة من واشنطن وبمشاركة إسرائيلية فاعلة، يتجاوز منطق “خفض التصعيد” ليصل إلى إعادة تعريف الجنوب السوري كمنطقة اقتصادية خاصة، خاضعة عملياً لنفوذ أمريكي–إسرائيلي طويل الأمد.
الواجهة الإعلامية للمقترح براقة: سلام مقابل ازدهار، أمن مقابل استثمار، وحدود تتحول من خطوط تماس إلى مساحات نمو مشترك. غير أن ما يُقدَّم كفرصة تاريخية للنهوض الاقتصادي، يخفي في طياته إعادة هندسة سياسية تمس جوهر السيادة السورية.
يطرح الأمريكيون رؤية طموحة لتحويل جنوب سوريا إلى محرك اقتصادي إقليمي. منطقة منزوعة السلاح، مقسّمة أمنياً، لكنها مفتوحة على مشاريع كبرى: منتجع تزلج عالمي في جبل الشيخ، مزارع رياح عملاقة لإنتاج الطاقة النظيفة، زراعة حديثة موجهة للتصدير، وتعاون مدني في مجالات الطب والطاقة والزراعة، ووفق التقديرات المتداولة، يمكن لهذه المشاريع أن تدر مليارات الدولارات وأن ترفع الناتج المحلي السوري خلال سنوات قليلة، خاصة مع وعود برفع جزئي للعقوبات وفتح الباب أمام أموال خليجية وأمريكية لإعادة الإعمار.
لكن الاقتصاد هنا ليس سوى المدخل، فنجاح هذه “النهضة” مشروط بحزمة أمنية صارمة: نزع السلاح من الجنوب، تنسيق استخباراتي مباشر، آليات مراقبة دولية، وقنوات اتصال دائمة تحت إشراف أمريكي.
الأخطر أن الحديث لا يدور عن إنهاء واضح للاحتلال الإسرائيلي للجولان او العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك 1974، بل عن إدارة مشتركة للأمن تُكرّس الواقع القائم وتمنحه شرعية جديدة.
في هذا السياق، تظهر فكرة “خلية التنسيق المشتركة” في عمّان كعنوان رمزي للتنازل، فإشراك إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، في إدارة أمن الجنوب السوري، لا يعني شراكة متكافئة، بل نقل عبء الاستقرار وحماية الحدود إلى الطرف السوري، مقابل وعود غامضة بالسلام والاستثمار. هكذا تتحول سوريا من دولة مواجهة إلى “شريك إداري” في منظومة أمنية تخدم أولاً المصالح الإسرائيلية.
تُطرح المشاريع الاقتصادية كجزرة مغرية في لحظة إنهاك وطني عميق، بينما تبقى العصا السياسية والأمنية بيد واشنطن. فالتجربة مع الإدارة الأمريكية، من فلسطين إلى غيرها، تُظهر أن الوعود مشروطة ومؤقتة، وأن “الرضا الأمريكي” لا يُمنح إلا مقابل تنازلات إضافية. وحتى الآن، لا يقدّم المقترح ضمانات واضحة لإعادة إعمار شاملة أو دعما ماديا ملموسا، ولا التزاماً صريحاً باستعادة الحقوق السورية المحتلة.
الأخطر من كل ذلك هو البعد الاستراتيجي للمقترح: دمج سوريا في نظام إقليمي جديد، تُعاد فيه صياغة دورها ووظيفتها، لا كدولة ذات سيادة، بل كحلقة في شبكة أمنية واقتصادية تهيمن عليها إسرائيل تحت المظلة الأمريكية. القبول بهذا المسار، تحت ضغط البقاء على الكرسي، لا يبدو خياراً براغماتياً بقدر ما يشبه استسلاماً مُداراً، تُفرّط فيه السلطة بما تبقى من أوراق السيادة مقابل شرعية مصطنعة ومكاسب هشة.
في النهاية، السؤال لا يتعلق فقط بجنوب سوريا، بل بمستقبل الدولة السورية نفسها: هل يكون السلام ثمناً للتنازل عن الأرض والدور والقرار، أم أن ما يُعرض ليس سلاماً، بل إعادة إنتاج للهزيمة بلغة الاقتصاد؟ ما يُطبخ في باريس قد يُسوَّق كحل، لكنه يحمل في جوهره ملامح تفكيك ناعم لدولة أنهكتها سلطة اتت لتنفذ مهمة التسليم، ويضع الشرق الأوسط بأكمله أمام نموذج جديد: السلام بوصفه صفقة، والسيادة بنداً قابلاً للتفاوض.