نبض سوريا - متابعة
في لحظة سياسية لافتة، اختار رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، البقاء في حضن الدنمارك رغم تاريخ طويل من التوتر، مُفضِّلاً إياها على التوجه الأمريكي، في قرار يعكس حسابات دقيقة لمستقبل أكبر جزيرة في العالم.
وظهر الزعيم الشاب، المولود عام 1991، في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن مرتديًا "الأنوراك" (Anorak)، وهي السترة الزرقاء التقليدية الواقية من المطر التي ترمز إلى تراث مجتمع يعتمد تاريخيًا على الصيد في بحار الشمال.
ويحمل نيلسن، لاعب كرة الريشة السابق الذي حوّل شعبيته على منصات التواصل إلى رصيد سياسي، ملفًا شائكًا خلف كواليس البرلمان الصغير (Naalakkersuisut)، الذي لا يتسع سوى لـ 31 مقعدًا ويعلوه مجسمان لطائر البطريق.
خلفية الاستقلال والإرث المؤلم:
تسعى غرينلاند، ذات الحكم الذاتي والتي يبلغ عدد سكانها نحو 59 ألف نسمة معظمهم من شعب الإنويت، للانفصال عن الدنمارك لسنوات. ويكمن الدافع الرئيسي في سياسات الصيد التابعة للاتحاد الأوروبي، التي تهدد قطاع الأسماك الذي يشكل عماد الاقتصاد المحلي.
غير أن العلاقة مع كوبنهاغن لا تخلو من جروح عميقة. فبالإضافة إلى النظرة الدونية التاريخية، شهدت الجزيرة سلسلة من الانتهاكات، أبرزها سياسات "اللولب القسري" بين 1966 و1975، التي فرضت تحديد نسل قسريًا على آلاف الفتيات والنساء من دون علمهن، بهدف خفض عدد السكان.
الحسابات الجيوسياسية:
رغم ثرواتها المعدنية الهائلة، تفتقر غرينلاند للإمكانيات التقنية والمالية لاستغلالها، كما أنها تعتمد على حلف الناتو في حمايتها.
ويأتي الاهتمام الأمريكي السابق بضم الجزيرة، خاصة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، ليزيد الموقف تعقيدًا.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن قرار نيلسن بالتمسك بالدنمارك يمثل خيارًا مرحليًا "أقل كلفة"، يحفظ مزايا الانتماء للاتحاد الأوروبي في مجالات الصحة والدعم الاجتماعي، ويجنب البلاد مخاطر الاندماج في النموذج الأمريكي مرتفع التكاليف، في انتظار ظروف دولية أكثر ملاءمة لتحقيق حلم الاستقلال الكامل.