نبض سوريا - متابعة
منذ أن استقرت هيئة تحرير الشام في مقعد الحكم بسوريا، لم تعد التعيينات مسألة إدارية بقدر ما أصبحت اختباراً لمرونة المناصب وقدرتها على التكيّف مع الشخص ذاته، فالكفاءة، والخبرة، والشهادات الأكاديمية، باتت تفاصيل ثانوية أمام معيار أكثر ثباتاً: القرب من مركز القرار.
آخر فصول هذا المسار جاء يوم الإثنين، مع إصدار رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع المرسوم رقم (18) لعام 2026، القاضي بتشكيل مجلس إدارة جديد لـ“الشركة السورية للبترول”، في خطوة بدت روتينية على الورق، لكنها حملت في طياتها اسماً لم يعد غريباً عن أي مفصل اقتصادي: قتيبة بدوي.
بدوي، المعروف سابقا بلقب “المغيرة بنش”، حضر هذه المرة بصفته ممثلاً عن المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، ليضيف موقعا جديدا إلى سجل من المناصب المتراكمة، وكأن الدولة قررت أخيراً اختصار الهياكل والمؤسسات والاكتفاء بمسؤول “متعدد الاستخدامات”.
فالرجل الذي يتولى رئاسة الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بمرتبة وزير، ويجلس في المجلس الاقتصادي الأعلى، بات اليوم شريكاً مباشراً في إدارة قطاع النفط، أي أنه يشارك في وضع السياسات، ويشرف على المعابر التي تمر منها الموارد، ثم يجلس على الطاولة ذاتها لاتخاذ القرار داخل الشركة المنتجة.
مراقبون وصفوا المشهد بـ“الإدارة الدائرية”، حيث يراقب المسؤول نفسه بنفسه، ويحاسب قرارات شارك في اتخاذها، ويشرف على ملفات هو أحد أطرافها. نموذج يُغني عن تعدد المؤسسات، ويختصر الدولة في اسم واحد، مع توفير ملحوظ في الوقت والكوادر.
وفيما تُرفع شعارات الإصلاح والحوكمة الرشيدة، يبدو أن الواقع يسير في اتجاه أكثر بساطة: كلما قلّ عدد الأشخاص، سهل التحكم بالقرار. أما الأسئلة المتعلقة بالشفافية، والفصل بين السلطات الإدارية، وآليات المساءلة، فتُركت خارج جدول الأعمال، بانتظار تشكيل مجلس آخر أو مرسوم جديد.
في النهاية، لا يعكس تعيين قتيبة بدوي داخل مجلس إدارة الشركة السورية للبترول مجرد قرار إداري، بل يؤكد أن مرحلة “توزيع الصلاحيات” قد انتهت، لتحل محلها مرحلة “تجميعها”، حيث تتحول الدولة إلى مؤسسة ذات مدير واحد… بعدة أختام.