نبض سوريا - متابعة
نقل الباحث الاقتصادي محمد العلبي قراءة نقدية للسياسات النقدية المتبعة حالياً، معتبراً أن تقييد السيولة الجديد الذي طبّقه المصرف المركزي منذ 15 يناير الماضي أدى إلى تعميق حالة الركود، خلافاً للتوقعات التي رجّحت أن تؤدي عملية الاستبدال وطرح الرواتب بالعملة الجديدة إلى زيادة المعروض من الليرة، خصوصاً في ظل بطء عملية الاستبدال وانخفاض سرعة دوران النقد، وهو ما انعكس في ارتفاع سريع بسعر الصرف إلى حدود 12,500 ليرة.
وأوضح أن هذا التطور خلق حالة خوف لدى السلطة إلى تغوّل جديد على السلطة النقدية بهدف الحفاظ على العامل النفسي لدى المواطنين، عبر حجب حقيقة سعر الصرف من خلال حبس السيولة، بما يعطي انطباعاً بأن الدولة تقوم بواجباتها وأن سعر الصرف مستقر كما لم يكن سابقاً.
وأضاف العلبي أن هذه السياسة تزيد من الركود، وفي ظل تضخم تراكمي متسارع لا أحد يعلم نسبته بالضبط (حوالي 40-45% حسب آخر تقييم من مصادرنا في السوق) والنتيجة أن المواطن يدفع تكلفة تثبيت سعر الصرف من جيبه، دون أن يعلم، بل أنه يوجه سهامه إلى مكان آخر، لأنه يرى أن الأسعار ترتفع، ويظن أن التاجر يستغله.
ولفت إلى أن المصرف المركزي، حين وصلت السلطة إلى الحكم في ديسمبر 2024، بدأ بإصدار نسب التضخم، لكن السلطة أوقفت ذلك بعد أشهر قليلة وحجبت المعلومات عن المواطنين والأسواق، ذلك لأن نسبة التضخم تفضح سعر الصرف الحقيقي، وتظهر أن سعر الصرف الثابت ما هو إلا وهم تضحك فيه على الناس ليعتقدوا أن الوضع الاقتصادي جيد.
وفي ما يخص تصريحات الحاكم الأخيرة، ينقل العلبي قوله: بارتفاع أسعار الذهب، أصبح احتياطي الذهب يغطي كتلتنا النقدية. لكنه يوضح أن الحاكم منذ وصوله، لم يُفصح في أي مناسبة عن الرقم الأكثر أهمية في هذا السياق، والأكثر أهمية للسوق، ألا وهو احتياطات المركزي من القطع الأجنبي.
ويتابع العلبي أن الذهب لا يفيد في تغطية الكتلة النقدية، لأن المركزي لن يقوم بتسييله وشراء قطعٍ أجنبيٍ به، فالأسواق قادرة على امتصاص هذه الزيادة سريعاً والعودة إلى نفس المشكلة بعد فترة قصيرة، ذلك لأن الثقة بالعملة الوطنية ضعيفة، والحاجة للدولار مرتفعة بسبب الدمار الذي ألحقته السياسات الاقتصادية بالقطاعات الانتاجية، فالأسواق أصبحت معتمدة بشكل شبه تام على الاستيراد.
وشدد على أن سياسات السلطة هي سياسات تُعلي مصلحتها السياسية على مصلحة المواطنين، وعدم إصلاح الأسواق قبل التفكير بإصلاح السياسة النقدية، هو ما أدخلنا في هذه المتاهة التي لن يكون الخروج منها سهلاً على الدولة، كما أن استمرار هذه السياسات، يعني بالضرورة أن المواطن سيستمر بدفع ثمن تثبيت سعر الدولار من جيبته دون أن يشعر، بينما تفقد كُل أمواله قيمتها بفعل التضخم والركود.
وختم العلبي بالقول إن المركزي لا يدير سياسة نقدية، بل يدير أزمة سياسية عبر أدوات نقدية قسرية فالاستقرار الحالي ليس استقرار سعر صرف، وإنما جفاف سيولة يخفي ضغطاً تضخمياً متراكماً و المواطن يمول هذا الاستقرار عبر ضريبة تضخم غير معلنة، إضافة إلى خسارة الدخل بسبب الركود.