نبض سوريا - متابعة
في تصريح أثار موجة غضب واسعة في أوساط أهالي محافظة السويداء، وصفت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في السلطة السورية المؤقتة، هند قبوات، ما جرى في المحافظة خلال أحداث تموز الماضي بأنه مجرد "بعض الأخطاء"، وذلك خلال مشاركتها في جلسة حوارية على هامش مؤتمر ميونخ الدولي للأمن في ألمانيا.
وجاء تصريح قبوات ليؤكد مجدداً على الموقف الذي سبق وأن عبر عنه وزير خارجية الشرع، أسعد الشيباني، والذي اعتبر ما جرى في السويداء "أخطاء"، في إشارة إلى الاجتياح الذي نفذته قوات تتبع للسلطة المؤقتة في تموز الماضي، والذي أسقط مئات القتلى والجرحى .
استياء واسع وردود فعل غاضبة
لم تمضِ ساعات على تصريح قبوات حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بردود فعل غاضبة من نشطاء وأهالي السويداء، الذين رأوا في الوصف "تهويناً" من حجم الكارثة التي حلت بمحافظتهم.
إحدى الصفحات المحلية التي يديرها أبناء السويداء وجهت انتقاداً لاذعاً للوزيرة بالقول: "الحمدلله الي إذا ممكن يقلّ حقدنا عليكن للحظة بترجعوا انتوا بتحيوه، نحنا المجزرة حفرت بارواحنا لسبع أجيال وما بتسمحلنا ننسى او نهدا.. بس يمكن الانذال الي حابين مايقطعوا الخيط مع سوريا لازم يقلبوا بالصور ويتذكروا الأخطاء الي عبتحكي عنها قبوات".
أما الصحفي السوري تامر قرقوط، فقد علق بكلمات لاذعة قائلاً: "تعريف الخطأ هنا وفقاً لمجازر السويداء: غزوة طائفية، مقتل نحو ٣٥٠٠ انسان، تهجير ٢٠٠ ألف مواطن من نحو ٣٦ قرية، حرق منازل بعد سرقتها، قتل على الهوية، سبي واغتصاب طفلات ونساء، خطف شيوخ وأطفال، شكراً قبوات، إذ أن إعادة تعريف المفاهيم تحتاج إلى هذا الفكر المتنور الذي يشع براءة".
فيما وصفت الإعلامية جمانا حمدان التصريح بـ"السقوط الأخلاقي"، مؤكدة أن "المجازر ليست أخطاء بسيطة بل جرائم كاملة، وتبريرها من مسؤول في الدولة سقوط أخلاقي قبل أن يكون موقفا سياسيا".
مجازر تموز: أكثر من 1400 قتيل وجرائم حرب موثقة
تعود خلفية التصريحات المثيرة للجدل إلى أحداث دامية شهدتها محافظة السويداء في تموز 2025، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين مجموعة محلية درزية وعشائر بدوية موالية للسلطة والتي تحركت بتنسيق مسبق مع فصائل حكومة دمشق، التي سارعت بشن هجمات بربرية وصفت بأنها الأعنف منذ عقود.
ووفقاً للإحصاءات النهائية التي وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد أسفرت الأحداث عن مقتل نحو 1420 شخصاً، بينهم 250 امرأة وطفلاً جرى إعدامهم ميدانياً، إضافة إلى احتجاز آلاف المدنيين، وتهجير أكثر من 200 ألف مواطن قسرياً من نحو 36 قرية وبلدة، وتعرضت مئات المنازل للحرق والنهب بعد سرقتها .
كما وثقت تقارير أممية، من بينها تقرير أصدره خبراء الأمم المتحدة خلال العام الماضي، جوانب من المجازر التي تورطت فيها قوات رسمية تتبع للسلطة المؤقتة، وأكدت التقارير أن هذه الانتهاكات "ترقى إلى جرائم حرب" يعاقب عليها القانون الدولي .
سياسة الإنكار وتبرير الانتهاكات
لم تكن تصريحات قبوات الأولى من نوعها، بل تأتي في سياق ما وصفه مراقبون بـ"سياسة الإنكار" التي تنتهجها السلطة المؤقتة تجاه الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قواتها بحق المدنيين.
اللافت أن وزيرة الشؤون الاجتماعية كانت قد زارت السويداء قبل أيام قليلة من تصريحها، حيث أعلنت عن دخول جزء من المساعدات الإغاثية بشكل عاجل إلى المحافظة، بالتنسيق مع الهلال الأحمر العربي السوري ومنظمات إنسانية أخرى . غير أن زيارتها تلك لم تمنعها من وصف ما جرى بأنه "أخطاء"، في تجاهل تام لحجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها تلك الأحداث.
دعوات للمحاسبة الدولية
يطالب أهالي السويداء بتصنيف ما جرى في محافظتهم ضمن "جرائم الحرب"، مؤكدين عدم تنازلهم عن حقهم في المحاسبة
وجاء في التعليقات الغاضبة على تصريح قبوات: "ها اسمها مجزرة ويعاقب عليها القانون الدولي كنوع من جرائم الحرب، ومارح نتنازل عن حقنا بالمحاسبة".
ويبدو أن حالة الإنكار التي يعيشها مسؤولو السلطة المؤقتة، دفعت البعض للمطالبة بـ"تحويلهم إما لمصحات عقلية، أو إعادة تأهيلهم في مراكز للطب النفسي"، على حد تعبير أحد النشطاء، خاصة مع استمرار نفي حدوث عنف ضد الأقليات رغم توثيق مقاطع فيديو تظهر عمليات قتل على الهوية وتهجير جماعي .
يذكر أن أحداث السويداء دفعت رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع إلى إعلان وقف إطلاق النار أكثر من مرة، والتعهد بحماية الأقليات ومحاسبة المنتهكين من أي طرف، إلا أن هذه التعهدات لم ترقَ حتى الآن إلى مستوى تقديم أي مسؤول للعدالة .