نبض سوريا - متابعة
في قراءة تحليلية للمادة 52 من الإعلان الدستوري المؤقت، أثار الصحفي عبدالله علي إشكالية جوهرية تتعلق بالعلاقة بين النص القانوني والممارسة الفعلية للسلطة خلال المرحلة الانتقالية.
وتنص المادة 52 من الإعلان الدستوري على أن المرحلة الانتقالية تمتد لخمس سنوات، على أن تختتم بخطوتين رئيسيتين: إقرار دستور دائم للبلاد، وتنظيم انتخابات عامة. وأشار الصحفي إلى أن هذا النص لا يحدد فترة زمنية فحسب، بل يرسم مساراً سياسياً واضحاً، يفترض أن تبقى ممارسة الحكم خلاله محكومة بطابعها المؤقت، نظراً لأن القضايا المصيرية المتعلقة بشكل الدولة وتوزيع الصلاحيات لم تُحسم بعد.
غير أن الصحفي لفت، في قراءته، إلى مفارقة كبرى بين منطوق النص وتطبيقه على أرض الواقع. وأوضح أن السلطة القائمة لم تتعامل مع السنوات الخمس باعتبارها "مهلة مؤقتة"، بل مارست منذ عامها الأول كامل الصلاحيات السيادية. وذكر من أمثلة ذلك: إعادة تشكيل مؤسسات الدولة ورموزها، وحسم توجهات النظام السياسي، وفرض سياسات اقتصادية طويلة الأمد شملت تغيير العملة الوطنية، والدخول في ترتيبات سيادية كبرى. وخلص إلى أن هذه الممارسات تمت دون انتظار الدستور لتحديد شكل الدولة، أو الانتخابات لمنح الشرعية لهذه القرارات.
وأضاف عبدالله علي أن غياب الدستور والانتخابات لم يؤدِ إلى تقييد السلطة أو الحد من صلاحياتها، بل على العكس، استمرت في ممارسة الحكم بوصفها سلطة كاملة، مما يجعل التساؤل مشروعاً: إذا كانت الانتخابات ستجرى بعد أربع سنوات من الآن، فهل ستؤسس لمسار جديد أم ستكون مجرد ختم تصديق على واقع تم ترتيبه مسبقاً؟
وتوقف الصحفي عند مسألة إجراء الانتخابات، مشيراً إلى التناقض في موقف السلطة التي تعلن أن الظروف لا تسمح بانتخابات عامة بسبب تعقيدات اللاجئين والوثائق، بينما قامت في الوقت نفسه بتشكيل لجنة انتخابات عامة، وأنشأت لجاناً فرعية اختارت ثلثي أعضاء مجلس الشعب، ووصفت ذلك بأنه "انتخابات". وتساءل: إذا كان بالإمكان تنظيم عملية اختيار داخل البلاد، فلماذا لا يمكن إجراء اقتراع مباشر للناخبين الموجودين فعلياً والقادرين على التصويت؟ واصفاً الأمر بأنه ليس عجزاً تقنياً، بل قراراً سياسياً بتأجيل نوع من الانتخابات والإبقاء على نوع آخر.
وأكد الكاتب أن عامل الزمن هنا يكتسب معنى سياسياً عميقاً، فخمس سنوات ليست مجرد رقم، بل هي مدة كافية لترسيخ واقع مؤسسي وسياسي جديد، يتحول مع الوقت إلى أعراف تجعل ما كان استثنائياً يبدو طبيعياً. وبالتالي، عندما تأتي الانتخابات بعد هذه المدة، فإنها لن تبدأ من فراغ، بل ستأتي لتكريس مسار تشكل بالفعل.
وخلصت القراءة إلى أن أخطر ما في هذه المفارقة ليس مجرد تجاوز نص المادة 52، بل في أن السلطة تتصرف وكأن النص الدستوري غير موجه إليها أساساً. فبينما تكتب الدساتير عادة لتقييد السلطة وتنظيمها، يظهر المشهد الحالي أن غياب الدستور والانتخابات لم يفرض أي قيد على ممارسة الحكم، في حين أن المجتمع هو الطرف الوحيد الذي طُلب منه الانتظار وتعليق السياسة.
وختم عبدالله علي قراءته بسؤال جوهري: إذا كان النص لا يخاطب السلطة ولا يحد من أدواتها، فهل كتب إذن ليخاطب من ينتظر فقط؟