انتقائية تحت عباءة القانون..
محكمة حلب: إعدام 3 علويين، وأحكام مخففة بحق عناصر حكومة دمشق المتورطين بمجازر الساحل

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

العدالة التي لا تُطبَّق على الجميع بالتساوي ليست عدالة، بل انتقاءٌ مقنّع ،فحين تُصدر محكمة الجنايات العسكرية في حلب أحكاماً بالإعدام بحق ثلاثة متهمين من أبناء الطائفة العلوية، بينما تغيب العقوبة ذاتها عن عناصر سلطة دمشق المتورطين في الجرائم نفسها، يتحول القانون من أداة لحماية الضحايا إلى أداة لانتقاء المتهمين، هنا يظهر الخلل في جوهر العدالة الانتقالية، ويصبح القضاء نفسه أمام اختبار المصداقية.


مساءلة انتقائية تحت عباءة القانون


أصدرت محكمة الجنايات العسكرية في حلب، اليوم الخميس، حكمين جديدين بالإعدام بحق الوضاح إسماعيل وماهر علي، وحكماً بالسجن 12 عاماً بحق ماهر عثمان، مع تبرئة عبد الرؤوف بكر ومحمد لؤي زرزوري، كما أعلنت المحكمة تجريم محمد بكور، من مرتبات الفرقة 82 التابعة لوزارة الدفاع، بجناية القتل قصداً.


وترفع الأحكام الجديدة عدد المحكومين بالإعدام في هذه القضية إلى ثلاثة، جميعهم من العلويين المتهمين بالمشاركة في مجازر آذار 2025، لكن اللافت ليس فقط ما تضمّنته الأحكام، بل ما غاب عنها؛ إذ لم تتضمن الأحكام الصادرة بحق عناصر القوات الحكومية التابعة لسلطة دمشق  أي عقوبة إعدام، رغم وجود مئات مقاطع الفيديو الموثقة، إضافة إلى تقارير التحقيق الدولية والحقوقية والتي أكّدت تورطهم في الجرائم نفسها، من قتلٍ وتعذيبٍ وسرقةٍ وانتهاكاتٍ واسعة بحق المدنيين.


هذا التفاوت الصارخ في المعايير يثير سؤالاً مشروعاً حول تواطؤ محتمل للقاضي مع عناصر حكومة دمشق، ويضع القضاء أمام اختبار النزاهة والاستقلال، فالخلل لا يقع فقط في النص القانوني، بل في الإرادة التي تطبقه؛ فالقاضي الذي يصدر أحكاماً متفاوتة في قضية واحدة، أمام أدلة موثقة، يتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية عن كل حكم يكرّس انقساماً جديداً.


وقد دفع هذا المشهد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” إلى التحذير من أن محاكمات مجازر الساحل في آذار 2025 تتحول إلى مسار انتقائي يحاسب طرفاً ويتجاهل آخر، مؤكداً أن تحقيق العدالة يتطلب محاسبة جميع المتورطين في الجرائم والانتهاكات، بصرف النظر عن مواقعهم وانتماءاتهم.


ويُثير هذا التفاوت تساؤلات جوهرية حول المعايير المعتمدة في المحاسبة، وحول مدى التزام القضاء بمبدأ المساواة أمام القانون، وهو مبدأ أساسي في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يلزم الدول بضمان محاكمة عادلة ومنصفة للجميع دون تمييز، فإذا كانت العقوبة القصوى تُنزل بحق ثلاثة أبناء طائفة، بينما تُمنح حصانة ضمنية لعناصر سلطة دمشق المتورطين في الجرائم ذاتها، فكيف يمكن الحديث عن مصالحة وطنية أو إنصاف حقيقي لضحايا المجازر وعائلاتهم؟


وشدد المرصد على أن العدالة لا تتحقق بمحاسبة طرف وتجاهل آخر، محذراً من أن الانتقائية في المساءلة قد تكرّس مظالم جديدة وتعمّق الانقسامات المجتمعية، وتقوّض الثقة في مؤسسات الدولة والقضاء على حدٍ سواء.


عدالة منقوصة لا تُنصف


ما يجري في محاكمات مجازر الساحل ليس مجرد قضية قانونية، بل اختبار حقيقي لجدوى العدالة الانتقالية في سوريا، فما لم تكن المحاسبة شاملة وعادلة وغير منحازة، فإنها تتحول إلى فصل جديد من فصول الانتقام، لا إلى بادرة مصالحة حقيقية، وحين يُحاسَب الضحية ويُفلت الجلاد، فإن القانون يفقد هيبته، والضحايا يفقدون ثقتهم، والوطن يبقى أسير جراحه التي لا تندمل.