نبض سوريا -متابعة
في موقف حمل دلالات عميقة حول طبيعة الممارسات الأمنية في سوريا ما بعد الأسد، رفض الناشط الحقوقي أسامة عثمان، المعروف بدوره المحوري في تهريب صور "ملف قيصر" التي وثّقت حجم التعذيب والقتل الجماعي في معتقلات نظام بشار الأسد، رفض جملةً وتفصيلاً توصيف الانتهاكات المتكرّرة في مراكز الاحتجاز التابعة للسلطة الانتقالية باعتبارها مجرّد "تجاوزات" أو "حالات فردية"، محمّلاً السلطة بكامل هياكلها السياسية والأمنية المسؤولية الكاملة عنها.
وجاءت تصريحات عثمان في سياق ردٍّ ضمنيٍّ واضحٍ على حديث وزير الداخلية أنس خطاب، الذي وصف ما يجري داخل بعض المؤسسات الأمنية بأنه "أخطاء ومخالفات" ناتجة عن سلوكيات فردية لا تعكس سياسة الدولة وهو التوصيف الذي اعتبره عثمان غير دقيق، بل ومضلّلاً للرأي العام، في ضوء تكرار حالات الوفاة تحت التعذيب والاعتقال التعسفي دون محاسبة.
وقال"ما يحدث ليس خطأً إدارياً، ولا انحرافاً فردياً، ولا تجاوزات لعناصر منفلتة إنه نمط متكرّر، ومنظومة تتيح التعذيب ثم تتركه دون عقاب مبينا ان تكرار الانتهاكات الجسيمة وغياب المساءلة يشيران بوضوح إلى مسؤولية تقع على مستوى القرار، وليس على مستوى المخفر أو المركز الأمني المنفرد."
وأضاف عثمان أن الاعتقال التعسفي، والتعذيب حتى الموت، والإفلات من العقاب، ليست حوادث معزولة يمكن تفسيرها بسلوكيات أفراد، بل هي نتاج ثقافة مؤسسية متجذّرة، تسمح باستمرار هذه الممارسات وتوفر لها الغطاء، سواء عبر الصمت الرسمي، أو عبر التأخير المتعمّد في التحقيقات، أو عبر الاكتفاء ببيانات التعزية والوعود غير المربوطة بجداول زمنية واضحة.
واستعاد عثمان تجربة نظام الأسد كأداة تفسيرية لمفهوم المسؤولية الجماعية، مشيراً إلى أن الرئيس المخلوع بشار الأسد لم يكن مسؤولاً عن الجرائم التي ارتكبت في معتقلاته كونه من مارس التعذيب بيديه، بل لأنه بنى منظومة كاملة سمحت بالتعذيب وحمته وغطته، وجعلت من الموت في الزنازين أمراً ممكناً ويومياً، دون أن يتحرك أحد لوقفها.
وتابع عثمان"وهذا بالضبط ما يجري الآن فالسلطة الجديدة تكرر ذات المنطق، وترفع شعارات العدالة، لكنها تبقي الأبواب مفتوحة أمام التعذيب، وتكتفي بالأسف بعد وقوع الجريمة مشيرا إلى ان الفرق الوحيد أن النظام السابق كان يمارس التعذيب بشكل منهجي بغطاء أيديولوجي، واليوم يُمارس بغطاء الفوضى وغياب الرقابة."
وجّه عثمان انتقاداً لافتاً للاكتفاء بـ"اتصالات التعزية" وزيارات المسؤولين إلى مجالس العزاء، معتبراً أنها لا تغيّر من حقيقة موت معتقلين تحت التعذيب، ولا تعوّض غياب المحاسبة الفعلية.
وقال"كم مرّة سنسمع عبارات 'سنحاسب المخطئين' و'لن نسمح بتكرار ذلك'، بينما تُدفن الملفات وتُطوى القضايا؟ التعزية واجب إنساني، لكنها ليست بديلاً عن العدالة فالضحايا لا يحتاجون إلى مواساة، بل إلى تحقيق شفاف، ومحاسبة علنية، وإصلاح جذري للمنظومة الأمنية."
وأشار عثمان إلى أن تكرار المشاهد ذاتها ــ اعتقال، تعذيب، موت، ثم تعزية ووعود ــ يحوّلها إلى نمط مأساوي، يثير تساؤلات حول جدية السلطة في بناء دولة القانون، ويُعيد إنتاج أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة الجديدة.
وختم عثمان موقفه بعبارة لافتة، قوبلت بتفاعل واسع في أوساط النشطاء والحقوقيين، قال فيها:"النظام السوري باقٍ ويتمدد، ما دام التعذيب باقياً، وما دام الموت في المعتقلات ممكناً."
وفي هذه العبارة، يضع عثمان إصبعَه على الجرح الأعمق في المشهد السوري الراهن: أن التغيير الحقيقي لا يتحقق بتغيير الأسماء أو الشعارات، بل بإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وبتجريم التعذيب كأداة، وبتفعيل آليات المساءلة التي تمنع تكرار المآسي، لا أن تكتفي بتدبيرها بعد وقوعها.