نبض سوريا -متابعة
تناولت قناة "يورونيوز" في تقرير موسّع واقع الطائفة العلوية في سوريا عقب أحداث الساحل التي شهدتها البلاد في آذار 2025، مسلّطة الضوء على حالة التشتّت الحاد في التمثيل السياسي، مقابل وحدة لافتة في المطالب والموقف تجاه السلطة القائمة، في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وبحسب التقرير، خرج العلويون من عباءة سلطة استخدمتهم، لعقود، أداةً لترسيخ نفوذها الأمني والعسكري، من دون أن تتيح لهم تمثيلاً سياسياً حقيقياً أو مشاركة فعلية في الحياة العامة. فقد انحصر حضورهم، تاريخياً، في مؤسسات الجيش والأجهزة الأمنية، بينما غابت مطالبهم المدنية والسياسية عن أي نقاش وطني جامع.
ومع انهيار النظام، علّق السوريون، بمن فيهم العلويون، آمالاً على مرحلة أكثر انفتاحاً وحريات، إلا أن هذه الآمال سرعان ما تراجعت بعد أقل من ثلاثة أشهر، مع اندلاع موجة عنف دامية في مارس 2025 استهدفت مناطق ذات غالبية علوية في جبلة وريف حماة وبانياس، وأسفرت عن مقتل مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وتهجير عائلات كاملة من قراها، ما كشف هشاشة وضع الطائفة في غياب أي ضمانات دستورية أو سياسية.
وفي أعقاب تلك الأحداث، برزت إلى العلن تيارات ومبادرات علوية متعددة، بعضها في الداخل السوري، وأخرى في دول الشتات. ورغم اختلاف مسمياتها وأشكال تنظيمها، فإنها تتقاطع، وفق التقرير، حول مطالب أساسية مشتركة، أبرزها: توفير الأمان ومنع الانتقام، تحقيق العدالة على أساس فردي لا جماعي، الحصول على اعتراف سياسي وتمثيل ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية، إضافة إلى المطالبة بخطة إنقاذ اقتصادية لمنطقة الساحل.
وفي حديث لـ"يورونيوز" من برلين، قال الدكتور علي عبود، رئيس مجلس إدارة اتحاد العلويين السوريين في أوروبا، إن جميع التيارات العلوية، بما فيها تلك التي عارضت النظام السابق، تعرّضت لـ"انتهاكات دون تمييز" .
وأوضح أن هذه الانتهاكات شملت الفصل التعسفي من الوظائف على أساس طائفي، التهجير القسري، حرق الأراضي والمحاصيل، الاعتداء على المقدسات الدينية، وخطاب الكراهية والتحريض.
وأشار عبود إلى أن الأخطر يتمثّل في الاعتقالات التعسفية بذريعة الانتماء إلى" الفلول"، مؤكداً وجود ما يقارب 14 ألف معتقل من أبناء الطائفة دون محاكمات أو تهم واضحة، معتبراً أن «مجرد الانتماء الطائفي بات سبباً كافياً للاعتقال في ظل السلطة المؤقتة».
هذا التوصيف يجد صداه، بحسب التقرير، داخل سوريا أيضاً ففي مدينة حمص، كشف أحد أمناء هيئة المجالس العلوية، خلال حديث لـ"يورونيوز" شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن المجتمع الدولي لم يقدم حتى الآن موقفاً جدياً تجاه ما يعتبره مظلومية الطائفة. ووصف الوضع الإنساني بالكارثي، مشيراً إلى وجود عشرات الآلاف من العائلات دون دخل، إضافة إلى عسكريين سابقين بلا عمل أو هوية، مؤكداً أن تهمة "الفلول" تبقى حاضرة في أي وقت.
ويرى التقرير أن تجربة العنف وما تلاها من انتهاكات عززت "هاجس الأمان ومنع الانتقام" كأولوية قصوى لدى العلويين، ودفعَتهم إلى تبني مطلبين أساسيين: الأول الفصل بين مسؤولية الفرد والجماعة، والثاني المطالبة باعتراف سياسي وضمانات دستورية تكفل مبدأ المواطنة المتساوية وعدم التمييز.
غير أن هذه المطالب، وفق مصادر علوية، تصطدم برفض رسمي، إذ تؤكد شخصيات من داخل المجالس العلوية أن السلطة لا تعترف بهذه الأطر التمثيلية، ولا ترحب بتوحيدها، معتبرة أن أي تمثيل حقيقي قد يهدد مصالحها.
ويعزو عبود حالة التشتّت التنظيمي داخل الطائفة إلى ثلاثة عوامل رئيسية: صدمة سقوط النظام وفقدان المرجعيات التقليدية، الانقسام الاجتماعي والاقتصادي داخل الطائفة بين الساحل والمدن والريف والشتات، إضافة إلى غياب إطار سياسي وقانوني واضح في المرحلة الانتقالية، ما فتح الباب أمام تعدد التمثيلات والتنافس على الشرعية.
ورغم إقراره بأن التعدد بحد ذاته ظاهرة صحية بعد عقود من الحكم الأمني، يحذر عبود من تحوّله إلى مشكلة في ظل غياب برنامج جامع وسقف وطني حقوقي، ما يحوّل التنافس إلى «سباق خوف» بدل أن يكون تنافساً سياسياً.
وفي ما يتعلق بالمطالب من أي سلطة دستورية مستقبلية، شدد عبود على ضرورة وقف الاعتقالات العشوائية، ضبط المجموعات المسلحة، تحقيق عدالة انتقالية فردية، ضمان تمثيل سياسي ومدني عادل، إضافة إلى إطلاق خطة إنقاذ اقتصادية للساحل، مؤكداً أن "العيش الكريم شرط أساسي للاستقرار" .
أما عن دور المجتمع الدولي، فيشير التقرير إلى أن الضغوط الحالية لا تزال في إطار الخطاب والإجراءات المحدودة، مع غياب ضغط حاسم يربط الدعم الدولي بحماية المدنيين والمساءلة وإصلاح القطاع الأمني، في ظل أولويات دولية تتقدم فيها ملفات الاستقرار ومكافحة الإرهاب على حساب الحقوق.
ويخلص تقرير "يورونيوز" إلى أن أزمة العلويين في سوريا اليوم لا تكمن في اختلاف المطالب، بل في غياب إطار سياسي ودستوري جامع يضمن الحقوق المتساوية، ويحمي المجتمع من الانتقام، ويحول دون إعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة.