شهادات ناجيات، إنكار رسمي..
الـBBC عربي تنشر تحقيقاً موسعاً عن اختطاف علويات سوريات

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

نشر موقع الـBBC  عربي تحقيقاً موسعاً تناول فيه شهادات نساء سوريات من الطائفة العلوية تحدثن عن تعرضهن للاختطاف والانتهاك منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول 2024، في ملف يسلّط الضوء على روايات متقاطعة للناجيات، ومواقف رسمية تنفي وجود ظاهرة ممنهجة، مقابل توثيقات حقوقية تشير إلى أرقام مقلقة.


وبحسب ما أورده التحقيق، فإن راميا ليست سوى واحدة من عشرات النساء اللواتي وردت أنباء عن اختفائهن خلال الأشهر الماضية.

التحقيق أشار إلى أن بي بي سي تمكنت من الوصول إلى خمس ناجيات وعائلاتهن، بعضهن قدّمن روايات تفصيلية عمّا تعرضن له، فيما لا يزال مصير أخريات مجهولاً.


راميا، التي بقيت محتجزة ليومين، قالت إنها حاولت الهرب مرة والانتحار مرتين خلال فترة احتجازها. وذكرت أن خاطفها لم يكن يتحدث العربية بطلاقة، وأن ملامحه بدت لها آسيوية، مرجّحة أنه من مقاتلين أجانب انضموا سابقاً إلى فصائل مسلحة في سوريا. وأفادت بأنه تم تصويرها وإبلاغها بأن مصيرها سيُحدد لاحقاً، فيما نقلت عن زوجة الخاطف أن نساء أخريات تعرضن لانتهاكات مماثلة، مع تهديدات ببيع بعضهن أو إعادتهن إلى عائلاتهن بعد الاعتداء عليهن. وأوضحت الشبكة أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من ادعاءات “البيع”، لكن أكثر من ناجية تحدثن عن تلقي تهديدات مشابهة.


أما نسمة، وهي أم في الثلاثينيات من عمرها، فأفادت بأنها اختُطفت من ريف اللاذقية واحتُجزت لمدة سبعة أيام في مكان قالت إنه بدا كمنشأة صناعية، حيث خضعت لاستجوابات متكررة حول سكان قريتها وعلاقتهم بالنظام السابق.


 وأشارت إلى تعرضها لإهانات طائفية واعتداءات جنسية، مضيفة أن الخاطفين كانوا يرددون عبارات ذات بعد ديني متطرف. وبعد الإفراج عنها، قالت إنها لمست معاملة وصفتها بـ"المهينة" أثناء مراجعتها للجهات الأمنية، مؤكدة أنها طُلب منها تعديل روايتها عند تسجيل الشكوى.


لين، شابة أخرى لم تتجاوز العشرين عاماً، عادت إلى منزلها بعد أسابيع من الاختطاف، بحسب ما روت والدتها. وذكرت الأم أن ابنتها تعرضت للضرب والتهديد والاعتداء المتكرر، وأن الخاطف كان ملثماً ولا يتحدث العربية بطلاقة. وأشارت إلى أن ابنتها لا تزال تعيش حالة من القلق الدائم بعد عودتها.


وفي سياق متصل، نقل التحقيق عن الباحث حسام جزماتي، المتابع للجماعات الإسلامية، قوله إن توصيف المختطفات بـ"سبايا" لا يعني بالضرورة وجود نظام سبي منظم، مرجحاً أن ما يجري يندرج ضمن عمليات خطف واعتداء وابتزاز، مع وجود مؤثرات دينية متشددة وخلفيات انتقامية. في المقابل، رأى الصحفي والناشط الحقوقي يامن حسين أن روايات الناجيات تعكس وجود بعد أيديولوجي في بعض الحالات، يقوم على اعتبار العلويين “مهزومين” بما يسهّل استهداف نسائهم.


كما نقل التحقيق عن منظمة العفو الدولية دعوات إلى المساءلة، إذ قالت كريستين بيكرلي، نائبة المدير الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن الشهادات تشير إلى أنماط أذى تتجاوز الاختطاف، بما في ذلك مؤشرات على الإيذاء الجسدي والزواج القسري في بعض الحالات، بينها قاصر واحدة على الأقل. وأضافت أن العائلات التي أبلغت السلطات لم تتلق معلومات ذات مغزى حول سير التحقيقات، مؤكدة أن التقاعس عن المحاسبة يمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان.


التحقيق تطرق أيضاً إلى الضغوط التي قالت بعض العائلات إنها تعرضت لها لتغيير رواياتها، وإلى حالة الخوف التي تلازم الناجيات بعد عودتهن. بعضهن تحدثن عن صدمات نفسية مستمرة، وانهيار علاقات أسرية، وعزلة اجتماعية، فيما أعرب أزواج وأقارب عن خشيتهم من الانتقام أو من غياب العدالة.


 وأفادت مجموعة اللوبي النسوي السوري، وهي مجموعة مناصرة لحقوق المرأة، بأنها تلقت بلاغات عن اختفاء أكثر من 80 امرأة، تحققت من 26 حالة منها على أنها اختطاف مؤكّد، مشيرة إلى أن الغالبية الساحقة من المفقودات ينتمين إلى الطائفة العلويةفي المقابل، تنفي السلطات السورية وجود ظاهرة اختطاف ممنهجة، معترفة بحالة واحدة فقط خلال مؤتمر صحفي عُقد في تشرين الثاني الماضي.




 وأعلنت وزارة الداخلية أن لجنة تحقيق نظرت في 42 ادعاءً، تبيّن – بحسب نتائجها – أن 41 منها غير صحيحة، ونقل التحقيق تصريحات المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، الذي قال إن حالات الاختفاء تنوعت بين هروب طوعي أو تغيب مؤقت أو خلافات أسرية أو ادعاءات كاذبة. 

غير أن مصدراً أمنياً في الساحل السوري، فضّل عدم الكشف عن هويته، أقرّ بوقوع حوادث خطف، مؤكداً فتح تحقيقات واتخاذ إجراءات فصل بحق بعض المتورطين، بينهم عناصر أمن، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود حالات غادر فيها أشخاص منازلهم بإرادتهم..



ويأتي هذا الملف في سياق توترات أعقبت سقوط النظام السابق، وتصاعد مخاوف داخل أوساط علوية من أعمال انتقامية، خصوصاً بعد أحداث العنف التي شهدتها مناطق الساحل في آذار.


 وبين روايات الناجيات، والإنكار الرسمي، وتوثيقات المنظمات الحقوقية، يبقى ملف المختطفات مفتوحاً على تساؤلات حول حجم الظاهرة، دوافعها، وآليات المساءلة الممكنة في المرحلة المقبلة.