خرائط النفوذ الجديدة..
من اللاذقية إلى دمشق: هل تُبنى المنظومة الأمنية على المحاصصة المناطقية؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة

لا يبدو السؤال الأمني في سوريا بعد اليوم سؤالاً عن التهديدات، بل عن هوية من يديرها ومن يُنقل بعيداً عنها ،فخروج العميد عبد العزيز هلال الأحمد من قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية لم يكن حدثاً عاديا، بل كشف — عبر موجة تسريبات غير معتادة — عن أن المنظومة الأمنية الجديدة قد لا تُبنى على المنطق المؤسسي بقدر ما تُبنى على الولاءات المناطقية والفصائلية .


سربت العديد من الوسائل الاعلامية معلومات عن المنصب الجديد  للعميد عبد العزيز هلال الأحمد في دمشق ، وصلت إلى الإعلان عن استحداث «جهاز أمن العاصمة» وتعيينه مديراً له، من دون صدور قرار رسمي يؤكد التعيين أو يوضح تبعية الجهاز وصلاحياته.


وبدأ الحديث مساء 7 تشرين الأول عندما نشر أحد مؤيديه تهنئة بنقله إلى دمشق، وفي اليوم التالي تحدثت وسائل اعلامية عن انتقاله إلى «الأمن القومي»، واخرى نقلت عن مصدر أمني استحداث جهاز جديد لأمن العاصمة وتعيينه مديراً له، وترافقت الروايتان مع أنباء عن تكليفه بملف حزب الله والمجموعات المرتبطة بإيران.


وكانت أعلنت وزارة الداخلية وفي 10 تشرين الأول تعيين نايف الإبراهيم خلفاً له في اللاذقية من دون تحديد منصبه الجديد، وبعد أربعة أيام نشرت «الشرق الأوسط» تصريحات لمسؤول عسكري رفيع تؤكد رواية الجهاز الجديد وتربط مهماته بمواجهة مجموعات محلية ذات ارتباطات بإسرائيل وإيران، رغم تأكيد المسؤول نفسه أن دمشق ليست في خطر.


واللافت إقرار الصحيفة بأن مصادر أمنية وعسكرية أمدّت عدداً من وسائل الإعلام بالخبر رغم عدم صدور قرار رسمي، وهكذا تعددت الجهات الناقلة واختلفت رواياتها بينما بقيت المعلومات الأساسية عن الجهاز غائبة.


وتعيد هذه الحالة إلى الأذهان ما رافق خروج حسين السلامة من رئاسة الاستخبارات العامة في تموز الماضي، فقد تحدثت تسريبات حينها عن تعيينه رئيساً لـ«جهاز الأمن القومي»، قبل أن تعلن الرئاسة تعيينه معاوناً لأنس خطاب في مكتب الأمن الوطني، وهو منصب مختلف عن الموقع الذي منحته إياه التسريبات. 


ويجمع بين السلامة والأحمد انحدارهما من دير الزور، التي أثار نقل السلامة استياءً في بعض أوساطها، ما يضفي حساسية إضافية على الانطباعات التي تتركها التغييرات المتلاحقة.


وهنا يطرح سؤال : لماذا يُنقل «الديريون» باستمرار بينما تتراكم الصلاحيات بيد شخصيات من خلفية مختلفة تماماً؟ فأنس خطاب يجمع اليوم وزارة الداخلية ورئاسة مكتب الأمن الوطني وعضوية مجلس الأمن القومي، وهو بحكم تاريخه ينحدر من بيئة إدلب/جبهة النصر، في حين أن الأحمد نفسه، وإن كان من دير الزور، فقد عمل متحدثاً باسم جهاز الأمن العام في إدلب، أي أن مساره المهني ارتبط ببيئة إدلب أكثر من ارتباطه ببيئة دير الزور. 


وقد تعكس هذه الضجة محاولة من دوائر داخل السلطة لتضخيم مكانة الأحمد وتقديمه بوصفه شخصية أمنية مركزية ذات مهام استثنائية، رغم أن أبرز مناصبه السابقة كانت قيادة الأمن الداخلي في محافظتين وسبقهما العمل متحدثاً باسم جهاز الأمن العام في إدلب، وقد ترتبط بحسابات أوسع داخل المنظومة الأمنية في ظل تركّز صلاحيات واسعة بيد أنس خطاب.


فإذا صح إنشاء جهاز مستقل لأمن العاصمة فإن ذلك يفتح احتمال إعادة توزيع النفوذ والصلاحيات، سواء بمبادرة من رأس السلطة لتعزيز إشرافه المباشر على أمن مركز الحكم، أو نتيجة تباين المصالح والتصورات بين دوائرها الأمنية، ولا يلزم أيٌّ من هذين الاحتمالين وجود خلاف بين الشرع وخطاب، فقد يتعلق الأمر بإعادة تنظيم مراكز القرار أو إنشاء قنوات أمنية إضافية، كما قد يعكس رغبة بعض الدوائر في الحد من تركّز النفوذ لدى قيادة واحدة. 


 والسؤال الذي يفرض نفسه: هل «جهاز أمن العاصمة» مشروع أمني حقيقي، أم غطاء لإعادة هندسة النفوذ على أساس مناطقية؟ فوزارة الداخلية تمتلك بالفعل قيادة للأمن الداخلي في دمشق، وإدارات متخصصة بحماية البعثات الدبلوماسية ومكافحة الإرهاب، فضلاً عن وجود جهاز الاستخبارات العامة ومكتب الأمن الوطني، ولم تقدم التسريبات تفسيراً مقنعاً للحاجة إلى استحداث جهاز مستقل بدلاً من تعزيز التنسيق بين هذه المؤسسات.


لكن الضجة غير المعتادة التي رافقت خروج الأحمد من اللاذقية تفتح الباب أمام تفسير أوسع: أن المنظومة الأمنية الجديدة لا تُبنى على المنطق المؤسسي، بل على الولاءات المناطقية والفصائلية، وإذا كان هذا هو المنطق السائد، فإن «جهاز أمن العاصمة» — إن وُجد فعلاً — لن يكون أداة لحماية دمشق، بل أداة لإعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة الأمنية على أساس مناطقية.


وأكثر ما يثير الانتباه هو تزامن أخبار «جهاز أمن العاصمة» مع خروج الأحمد من اللاذقية تحديداً، مع أن تغييرات مماثلة شهدتها قيادات الأمن الداخلي في محافظات أخرى من دون ضجة مشابهة، فلماذا احتاج نقل قائد أمني محلي إلى كل هذه التسريبات عن جهاز جديد ومهمات استثنائية تتصل بأمن العاصمة وإسرائيل وإيران، بينما أعلنت السلطة رسمياً تغييرات أكبر وأكثر حساسية، من بينها نقل رئيس الاستخبارات العامة، من دون الحاجة إلى هذا الغموض؟ الجواب المرجّح أن الضجة ليست حول المنصب، بل حول الشخص وهويته المناطقية.