نبض سوريا - خاص
لم تعد معركة سوريا بعد سنوات الحرب تُخاض فقط بالأسلحة والجبهات، بل انتقلت إلى ساحة أكثر هدوءاً وخطورة: الاقتصاد. فبعد أن هدأت أصوات المدافع، بدأت معركة جديدة حول من يملك القدرة على رسم شكل سوريا المقبلة، ومن سيمسك بمفاصل الدولة الاقتصادية، ومن سيحصل على مفاتيح القطاعات التي لا تقل أهمية عن السيطرة العسكرية.
ففي الدول التي تخرج من الحروب، لا تكون إعادة الإعمار مجرد عملية بناء إسمنت وحديد، بل تكون لحظة لإعادة توزيع النفوذ والثروة وصياغة التوازنات الجديدة. من يملك المطارات، والطاقة، والمصارف، والمرافئ، والعقارات الكبرى، لا يملك شركة فقط، بل يمتلك قدرة على التأثير في القرار الوطني لعقود.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل ستكون إعادة إعمار سوريا مشروعاً وطنياً يعيد بناء اقتصاد مستقل، أم أنها ستتحول إلى بوابة لدخول شبكات المال التي تشكلت خلال سنوات الحرب لتتحول من نفوذ خلف الكواليس إلى نفوذ رسمي داخل مؤسسات الاقتصاد؟
في قلب هذا الجدل يبرز اسم الأخوين معتز ورامز الخياط، اللذين تحولا خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز رجال الأعمال السوريين المرتبطين بشبكات استثمارية واسعة في قطر والمنطقة، قبل أن يعود اسمهما بقوة مع الحديث عن مشاريع ضخمة في سوريا تشمل قطاعات استراتيجية، من الطاقة إلى المصارف والمطارات والبنية التحتية.
لكن خلف صورة المستثمرين العائدين لإعادة البناء، تقف أسئلة سياسية واقتصادية عميقة تتعلق بمسار صعود هذه العائلة، وبالبيئة التي تشكلت فيها علاقاتها، وبالملفات التي أثيرت حولها خلال سنوات الحرب السورية، وعلى رأسها ملف التمويل المزعوم لجبهة النصرة.
إعادة الإعمار... هل هي فرصة بناء أم إعادة إنتاج لاقتصاد الحرب؟
لطالما قدمت عمليات إعادة الإعمار في الدول الخارجة من النزاعات على أنها فرصة للنهوض الاقتصادي، إلا أن التجارب الدولية أثبتت أن هذه المرحلة قد تتحول أيضاً إلى لحظة لإعادة إنتاج النفوذ بوسائل جديدة ففي العراق وأفغانستان وغيرها من الدول التي شهدت حروباً طويلة، لم تكن العقود الاقتصادية الكبرى مجرد مشاريع تجارية، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع حول من يملك القرار ومن يتحكم بمسارات الدولة.
وهذا ما يجعل الملف السوري شديد الحساسية، فالدولة التي تحتاج إلى مئات المليارات لإعادة بناء ما دمرته الحرب تواجه تحدياً يتجاوز جذب رؤوس الأموال، ليصل إلى ضمان أن لا يتحول الاقتصاد إلى أداة بيد مجموعات تمتلك المال والعلاقات السياسية أكثر مما تمتلك ارتباطاً بمصلحة الدولة فالاقتصاد ليس منفصلاً عن السياسة ومن يتحكم في مصادر الطاقة أو النظام المصرفي أو البنية التحتية الأساسية، يمتلك جزءاً من القرار السيادي للدولة.
الأخوان الخياط... عودة رأس المال أم بناء نفوذ جديد؟
لا يمكن إنكار أن الأخوين معتز ورامز الخياط نجحا في بناء حضور اقتصادي واسع خارج سوريا، خصوصاً في قطر، عبر شركات تعمل في مجالات متعددة، مستفيدين من بيئة استثمارية خليجية سمحت لهما بالتوسع في قطاعات الإنشاءات والطاقة والخدمات.
لكن الجدل لا يدور حول مبدأ دخول رجال الأعمال إلى سوريا، فإعادة الإعمار تحتاج بالفعل إلى استثمارات وخبرات ورؤوس أموال، بل حول طبيعة هذا الدخول، وحجم المشاريع التي يجري الحديث عنها، والقطاعات التي تستهدفها فالحديث عن المطارات والطاقة والمصارف والغاز ليس حديثاً عن مشاريع تجارية عادية، بل عن مفاصل استراتيجية تتحكم بمستقبل الاقتصاد السوري.
ومن هنا تظهر المخاوف التي يطرحها منتقدون: هل تتحول هذه المشاريع إلى أدوات نفوذ اقتصادي طويل الأمد؟ وهل تصبح إعادة الإعمار مدخلاً لتمكين شبكات مالية تمتلك القدرة على التأثير في القرار السياسي؟
ملف جبهة النصرة... الماضي الذي يلاحق مرحلة الإعمار
يبقى ملف تمويل الجماعات المسلحة خلال الحرب السورية أحد أكثر الملفات حساسية، خصوصاً أن الحرب لم تكن فقط معارك عسكرية، بل كانت أيضاً حرباً على مصادر التمويل وشبكات الدعم وكانت جبهة النصرة، المرتبطة بتنظيم القاعدة في بداياتها والمصنفة إرهابية من قبل عدد من الدول، من أبرز التنظيمات التي احتاجت إلى موارد مالية ضخمة لتوسيع نفوذها العسكري وخلال السنوات الماضية، ظهرت تقارير صحفية وملفات قضائية تناولت قنوات مالية قيل إنها ساهمت في إيصال الأموال إلى الجماعة، ووردت في بعض هذه الملفات أسماء مرتبطة بعائلة الخياط.
وتضمنت بعض الدعاوى القضائية اتهامات تتعلق بتحويل أموال عبر مؤسسات مالية وشبكات تجارية، فيما نفت الجهات المعنية تلك الاتهامات، وبقيت ضمن إطار النزاع القانوني لكن بعيداً عن المسار القضائي، فإن البعد السياسي للملف يبقى قائماً: هل يمكن فصل مرحلة إعادة الإعمار عن شبكات التمويل التي تشكلت خلال سنوات الحرب؟
فالمشكلة ليست فقط في معرفة ما حدث خلال الحرب، بل في منع انتقال أدوات اقتصاد الحرب إلى مرحلة السلم فالجهات التي تمكنت خلال سنوات الصراع من بناء شبكات مالية عابرة للحدود، واكتساب خبرة في التحرك بين العواصم، قد تجد في مرحلة الإعمار فرصة لإعادة تقديم نفسها كقوى اقتصادية مشروعة وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن يتحول اقتصاد الحرب إلى اقتصاد إعمار.
قطر وتركيا... تقاطع المصالح حول سوريا
لا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن الدور القطري في المنطقة فقطر خلال العقدين الماضيين بنت حضوراً كبيراً عبر أدوات متعددة من الاستثمارات العالمية والصناديق المالية إلى الإعلام والوساطات السياسية التي وظفت جميعها بخدمة مشروع تدمير سوريا ودورها الإقليمي خصوصاً عبر علاقات مع تيارات الإسلام السياسي التكفيري.
إلى جانب قطر لا يمكن تجاهل الدور التركي في الملف السوري فتركيا تمتلك عوامل قوة مختلفة من حيث القرب الجغرافي والخبرة الصناعية فضلا عن القدرة الكبيرة لشركاتها في قطاع الإنشاءات والمصالح الأمنية والسياسية المباشرة ولهذا فإن إعادة إعمار سوريا ستكون حتماً ساحة اهتمام تركي واسع.
وعلى الرغم من ذلك فإن جود تركيا وقطر في الملف نفسه لا يعني بالضرورة تطابق المصالح دائماً فقد تتعاون الدولتان في بعض الملفات، بينما تتنافسان في ملفات أخرى فتركيا تمتلك الموقع في المقابل تمتلك قطر رأس المال ورجال الأعمال السوريون في الخارج يمتلكون العلاقات والخبرة وهذا يجعل الاقتصاد السوري القادم ساحة محتملة لتقاطع المصالح الإقليمية.
من الدوحة إلى واشنطن... عندما يصبح الاستثمار بوابة إلى القرار السياسي
لم يتوقف الجدل حول عائلة الخياط عند حدود الاقتصاد السوري، بل امتد إلى واشنطن، حيث تناولت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير للصحافي إريك ليبتون طبيعة العلاقات التي نسجتها العائلة مع دوائر سياسية واقتصادية أميركية.
وبحسب التقرير، عرض محمد الخياط خلال لقاءات في واشنطن مشاريع استثمارية ضخمة مرتبطة بسوريا، تضمنت خططاً لتطوير مناطق ساحلية، وإنشاء مشاريع سياحية وترفيهية، وميناء لسفن الرحلات البحرية، إضافة إلى فكرة إقامة ملعب غولف يحمل علامة مرتبطة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتزامنت هذه التحركات، وفق التقرير، مع جهود للحصول على دعم سياسي أميركي لرفع العقوبات المفروضة على سوريا، وهي خطوة تعتبرها جهات عديدة ضرورية لإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي.
لكن النقاش لم يكن حول رفع العقوبات بحد ذاته، بل حول الطريقة التي تتم بها العملية، ومن هم المستفيدون الأكبر منها.
ففي عالم السياسة الدولية، لا تتحرك الاستثمارات الكبرى دائماً بمعزل عن النفوذ. وقد تتحول العلاقات الاقتصادية إلى أدوات للوصول إلى مراكز القرار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدول خارجة من حرب وتحتاج إلى إعادة تشكيل اقتصادها بالكامل.
وأشار تقرير الصحيفة إلى علاقات اقتصادية جمعت عائلة الخياط بشخصيات قريبة من ترامب، ومن بينها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، الذي دخل بدوره عالم الاستثمارات الخاصة بعد مغادرته البيت الأبيض.
وهنا يبرز السؤال حول حدود العلاقة بين المال والسياسة: هل الاستثمار مجرد نشاط اقتصادي؟ أم أنه أصبح في بعض الحالات وسيلة لبناء نفوذ والتأثير في القرارات الكبرى؟
سوريا بين الحاجة إلى الاستثمار وخطر الاحتكار
لا تحتاج سوريا إلى إغلاق الباب أمام المستثمرين، بل تحتاج إلى بيئة استثمار شفافة تحمي الاقتصاد الوطني وتمنع احتكار مفاصله من قبل مجموعات محددة.
فالخطر لا يكمن في وجود رجال أعمال أثرياء، بل في أن يصبح مستقبل بلد كامل مرتبطاً بشبكات مالية وسياسية لا تخضع لأولويات المجتمع والدولة.
إعادة الإعمار ليست فقط عملية بناء منشآت، بل عملية بناء نموذج اقتصادي جديد. وإذا فشلت الدولة في وضع قواعد واضحة وشفافة، فقد تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى مرحلة جديدة من التبعية الاقتصادية.
فالدول لا تفقد استقلالها فقط عندما تخسر أراضيها أو قرارها السياسي، بل قد تفقد جزءاً من سيادتها أيضاً عندما تصبح مفاتيح اقتصادها بيد شبكات نفوذ خارجية.
اليوم، لا تدور المعركة السورية المقبلة فقط حول من يملك الأرض، بل حول من يملك الاقتصاد.
ومن يمسك بالمصارف والطاقة والمطارات والمرافئ، قد يمتلك القدرة على رسم شكل سوريا لعقود مقبلة.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً: هل ستكون إعادة إعمار سوريا بداية لاستعادة الدولة لاقتصادها، أم بداية لمرحلة جديدة يصبح فيها الاقتصاد هو بوابة النفوذ والسيطرة؟