المقاتلون الأجانب في سوريا... عودة محفوفة بالأخطار

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة

تشترط الولايات المتحدة إخراج العناصر الأجانب من سوريا لرفع جزئي للعقوبات، ومن جانب آخر يرى سوريون أن هؤلاء الأجانب أسهموا في تحرير بلدهم، بينما يتخوف مراقبون من أن هؤلاء يشكلون خطرا على بلادهم الأصلية إن عادوا لها.


ونشرت صحيفة إندبندنت عربية مقال لها تابعته وكالة "نبض سوريا" أنه "منذ سقوط نظام البعث في سوريا، كان التعامل الأميركي مع الإدارة الجديدة للبلاد حذراً للغاية، فقيادة سوريا الجديدة منبعثة من تنظيمات كانت في الأصل راديكالية، وعلى رغم أن "هيئة تحرير الشام" كانت تقاتل فقط نظام بشار الأسد، توجد قواسم مشتركة بينها وتنظيم "القاعدة"، مما دفع الولايات المتحدة إلى تصنيفها على قوائم الإرهاب.


ويرى مراقبون أن "هيئة تحرير الشام" عندما كانت تحكم مدينة إدلب شمال سوريا لأعوام، كانت تتعاون في قضايا مكافحة الإرهاب، ولا يخفى أن زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي أبو بكر البغدادي قتل في إدلب شأنه في ذلك شأن عدد من الشخصيات الملاحقة ضمن قوائم الإرهاب.


والرئيس أحمد الشرع يحمل الجنسية السورية ومن عائلة سورية عريقة، لكن لا تلاحقه القضايا نفسها التي يواجهها المنتمون إلى التنظيمات الراديكالية، كما أن غالبية قادة "هيئة تحرير الشام" مواطنون سوريون وكانوا يقاتلون النظام السابق فقط، لكن على رغم ذلك تضم الهيئة عدداً ليس قليلاً من المقاتلين الأجانب من دول مختلفة، وجزء منهم حصلوا على رتب في الجيش السوري الجديد.


وأفادت تقارير إعلامية بأن "الشرع عيّن عدداً من القادة العسكريين الأجانب في مناصب قيادية بوزارة الدفاع، ومن أبرزهم الأردني عبدالرحمن الخطيب والتركي عمر محمد جفتشي المعروف باسم مختار التركي"، مما أثار جدلاً، لكن ما هي الخيارات التي أمام أحمد الشرع بخصوص هؤلاء الأشخاص الذين خاضوا معه معركة صمود استمرت لأعوام في إدلب، ثم معركة تحرير أوصلتهم إلى القصر الجمهوري على قمة جبل قاسيون

 الثلاثاء الماضي نشرت وكالة "رويترز" تقريراً، نقلاً عن ستة مصادر مختلفة، أشارت فيه إلى أن "الولايات المتحدة سلمت سوريا قائمة شروط تريد من دمشق الوفاء بها مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، من بينها ضمان عدم تولي أجانب مناصب قيادية في الحكومة، إذ قال مصدران، أحدهما مسؤول أميركي والثاني مصدر سوري إن نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون بلاد الشام وسوريا ناتاشا فرانشيسكي سلمت قائمة المطالب إلى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال اجتماع خاص على هامش مؤتمر المانحين لسوريا في بروكسل في الـ18 من  مارس (آذار) الماضي، مما يعد أول اتصال مباشر رفيع المستوى بين دمشق وواشنطن منذ تولي الرئيس دونالد ترمب منصبه".


تجنيس الأجانب


وقال المحلل العسكري العميد عمار الواوي في حديث إلى اندبندنت عربية إن "المسلحين الأجانب لن يخرجوا من سوريا بعد كل هذه الأعوام، فمعظمهم تزوج واستقر هنا، وأصبحت لديه عائلة، وأعتقد بأن جزءاً كبيراً منهم سيحصل على الجنسية السورية، وبعضهم بات في أماكن جيدة ضمن الدولة الجديدة".


وأضاف، "أما من يريد العودة لبلده الأصلي، فسيكون ذلك خياره الشخصي، ولكن من ناحية الخطر على بلادهم، فإن هذا يختلف من بلد لآخر، بحسب البلد الذي ينتمون إليه، أو يعودون له".


من جانبه رجح الباحث في مركز حرمون للدراسات محمد السكري أن "تكون كلفة إخراج المسلحين الأجانب على الحكومة السورية أعلى بكثير من إبقائهم داخل منظومة الجيش بسبب نوعية المسلحين وخلفياتهم وثقلهم العسكري، وباعتقادي هناك فئات متنوعة من الأجانب فهناك من لديهم انتماءات عابرة ومهددة لاستقرار البلاد ولا سيما مع توجه للانتقال من اللادولة إلى الدولة، مما لا بد من تفكيكه، وهناك من يمكن ضبطهم داخل منظومة الجيش وتأهيلهم منظوماتياً، وهؤلاء من المفترض إعادة دمجهم، لكن ظروف إخراج الأجانب من سوريا متعلقة أكثر بتوافقات جيو-أمنية، وأعتقد بأن حلفاء دمشق في الإقليم والغرب يميلون لتقنين وجودهم بدلاً من إخراجهم لأن سوريا باتت الطرف المحلي الذي يحارب الإرهاب".


ضرورات أمنية


ورأى السكري أنه "من الصعب على دمشق التخلي عن الأجانب الذين يحققون رؤية الدولة في التعامل مع أخطار أمنية محتملة، أو حداثة وحدات الجيش السوري الجديد، مما يدفع إلى التحالف مع كل الفصائل المقاتلة التي انتظمت داخل الجيش، وبتقديري أن الرئيس أحمد الشرع خلال الفترة الماضية استطاع إدارة المتناقضات التي تفرضها السلطة وسياق الملف السوري وتجاوز عقبات كثيرة، أهمها امتحان الساحل الذي كان أكبر تهديد أمني تشهده البلاد، لكن تحويل هذا الامتحان إلى فرصة وظرف لاختبار المزاج المحلي والدولي والتعامل معه ساعد على تحسين موقع دمشق في شروط تفاوضها في ما يخص ضرورة دعم البلاد".


اقرأ المزيد


متى دخل المسلحون الأجانب الصراع السوري وهل كان دورهم محوريا؟


ومضى في حديثه، "قطعت سوريا أشواطاً جيدة في سياق المرحلة الانتقالية، مما يجعل مقومات النجاح أعلى من الفشل، ويبدو أن الفاعلية الإقليمية تساعد على استقرار الأوضاع في البلاد، ومصالح الدول التي أجاب عنها الشرع من خلال ممارسات متزنة عززت من قدرته على أن يكون رجل المرحلة والضابط المركزي لمنع نشوب الصراع".


مشكلة ليست قضية


الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان نبه بدوره إلى أن "الحديث عن المسلحين الأجانب في سوريا لا يمكن أن يكون ضمن كتلة واحدة أو خيار واحد لأن الأجانب في سوريا متعددون مختلفون من ناحية الأفكار والأيديولوجيا، ومن ناحية الخطر الذي من الممكن أن يشكله جزء بسيط منهم، في حين أن الجزء الأكبر مثلاً ممكن أن يندمج ضمن المجتمعات المحلية، أو أن يعود لبلاده الأصلية، أو أن ينتقل إلى بلد ثالث، بمعنى آخر ليس هناك سيناريو واحد للمقاتلين الأجانب، وبطبيعة الحال هي مشكلة لكنها ليست قضية كبرى لأن أعدادهم تراجعت جداً وأصبحت قليلة، فخلال أعوام وجود تنظيم ’داعش‘ الإرهابي وكثرة الفصائل كان هناك عدد كبير من المقاتلين الأجانب في سوريا، لكن عددهم اليوم أصبح قليلاً جداً ولم يعودوا يشكلون قضية رئيسة".


الأكاديمي والباحث السوري عرابي عبدالحي عرابي قال في تصريح خاص إنه "عند الحديث حول المقاتلين الأجانب والخطر الذي يشكلونه في سوريا، أو في بلادهم إذا عادوا لها، أو عند الحديث عن قضيتهم بصورة عامة في الجيش السوري، فالمقاربة أولاً أن كثيراً من الدول تعتمد على مقاتلين أجانب في جيوشها وتمنحهم جنسياتها، مما لا يقتصر على سوريا، أما بالنسبة إلى الأجانب الذين يبقون في سوريا، فهؤلاء لن يُسمح لهم بأن يكونوا ضمن قطاع واحد معين، أو يكونوا ضمن تكتل واحد، أو في منطقة جغرافية واحدة، ثم ثانياً إن عدد المقاتلين الأجانب مع عائلاتهم في سوريا لا يتجاوز 2500 شخص".


ولفت إلى أن "هناك نقطة ثالثة مهمة وهي أن جزءاً كبيراً من هؤلاء أصبح لديه مجتمع سوري وأقارب، وتمكن من الاندماج في المجتمع المحلي بصورة جيدة، وفضلاً عن كل هذا، فإن غالبية هؤلاء المقاتلين لا يشكلون تهديداً للأمن الداخلي السوري ولا يشكلون تهديداً لبلادهم الأصلية إن عادوا لها، أما إذا كان هناك أحدهم، أو شخص من بينهم يشكل تهديداً محلياً، فبطبيعة الحال سيصار إلى إخراجه من البلاد".


رفع العقوبات عن سوريا


لكن العميد عبدالله الأسعد لا يتفق مع ما يقوله عرابي، إذ رأى أن "هناك بالطبع حالات مشابهة بالنسبة إلى الأجانب الموجودين في سوريا شهدتها دول أخرى، مثلاً أثناء حرب البوسنة والهرسك كان هناك عرب عرب ومسلمون قاتلوا مع البوسنيين، وبعد انتهاء الحرب بقي عدد منهم هناك فيما عاد آخرون لبلادهم، وهؤلاء كان لهم ترتيب معين، والأمر مثله تكرر في سوريا، فمن بين العناصر الأجانب مطلوبون لأجهزة استخبارات مختلفة ومسألة إخراجهم من سوريا لا تتطلب سوى إعطاء أمر رسمي من القائد العام للجيش، أي الرئيس الشرع عبر إنهاء عقودهم وإخراجهم من البلاد".


 

 ولفت الأسعد إلى أن "سوريا دولة فرضت عليها عقوبات وإخراج العناصر الأجانب من البلاد سيسهم في تسهيل عملية رفع القيود عنها".


ضرورة ملحة


من ناحية ثانية قال أحد ضباط في "الجيش السوري" رفض الكشف عن هويته، إنه "بالنسبة إلى هؤلاء المقاتلين فهم موجودون في سوريا منذ أعوام طويلة، وقاتلوا النظام السابق، وأيضاً خاضوا معارك ضد الميليشيات الإيرانية وضد القوات الروسية، وكل ذلك حدث أثناء وجودهم في صفوف ’هيئة تحرير الشام‘، واليوم بعد سقوط النظام باتت عملية إخراجهم من سوريا ضرورة ملحة، لكن هذا الأمر يحتاج إلى وضع خطة دقيقة".


وأضاف المصدر نفسه، "لا يمكننا التغاضي عن أن غالبية هؤلاء المقاتلين مطلوبون للأجهزة الأمنية في دولهم الأصلية، وعليهم محاكم هناك قد يواجهونها، وعدد كبير منهم سيكون مصيره الاعتقال والإحالة إلى المحاكم. أما من ناحية إذا كانوا بالفعل يشكلون خطراً، فهذا أمر مستبعد لأنه من دون تنسيق بين دمشق وحكومات دولهم فإن مسألة إخراجهم بصورة قسرية ستكون مجحفة بحق أشخاص قدموا كثيراً من أجل إسقاط النظام السابق وأسهموا في انتصار الثورة".


وصحيح أن الضابط في الجيش السوري طالب بإخراج المقاتلين الأجانب من البلاد لكنه تمسك بأن تجري عملية إخراجهم على نحو منسق وقانوني ومن دون تعريضهم لخطر ومن دون أن يتسببوا في خطر لبلدهم الأصلي.


وفي السياق ذاته رأى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية عباس شريفة أنه "من يقبل من هؤلاء المقاتلين الأجانب بالاندماج والمواطنة السورية وفق القانون، إذا كان مؤهلاً للحصول على الجنسية، فسيجري في الغالب منحه الجنسية، أما من ليست له رغبة في الاندماج وفق القانون السوري الجديد فأعتقد بأنه سيجري التعامل معه بطريقة أو بأخرى"، مستبعداً أن يجري تسليم هؤلاء العناصر إلى دولهم من دون تسوية أوضاعهم لأن عدداً كبيراً منهم لديه قضايا أمنية في بلده الأصلي.


خطر داخلي وآخر خارجي


من ناحية ثانية أوضح آخرون أن الأمر ليس بهذه البساطة وأن المقاتلين الأجانب يشكلون حالياً خطراً داخلياً لأن أحد الشروط الأميركية لرفع العقوبات عن سوريا يتمثل في إخراج العناصر الأجانب، فيما أشار مصدر أمني خاص إلى أن "المقاتلين الأجانب في حال عادوا لدولهم الأصلية فإنهم يشكلون خطراً على هذه الدول لأسباب أبرزها أن هناك تهماً تلاحقهم تتعلق بقضايا مثل الإرهاب والقتال في الخارج وغيرها، والحل الأمثل هو التنسيق".


في المحصلة اختلفت الآراء بخصوص المقاتلين الأجانب، فهناك من يرى أن هؤلاء كانوا أحد أهم الأسباب في انتصار الثورة السورية بسبب قتالهم الطويل ضد النظام السابق ومشاركتهم المباشرة في معركة "ردع العدوان" التي أسقطت الأسد، مؤكدين أن من حق هؤلاء الأشخاص الحصول على الجنسية السورية والبقاء في البلاد مثلهم في ذلك مثل المعارضين الذين عادوا لبلدهم، في حين يرى تيار آخر أن بقاء هؤلاء يشكل أحد موانع رفع العقوبات الأميركية التي تخنق الاقتصاد السوري وعودتهم أيضاً تشكل خطراً عليهم وعلى بلدانهم بسبب الأيديولوجيا التي يحملونها والمشكلات الأمنية التي يواجهونها في بلدانهم الأصلية.