نبض سوريا - دمشق
أثار إعلان رجل الأعمال السوري، محمد حمشو، عبر صفحته على فيسبوك عن توقيع اتفاقية "شاملة" مع الحكومة الانتقالية، موجةً واسعةً من التساؤلات الحادة حول اتجاهات المرحلة الراهنة ومعنى العدالة الانتقالية في سوريا. فبينما تفتح السلطة باب المصالحة الاقتصادية والقانونية مع أحد أبرز الرموز المالية المرتبطة بالنظام السابق، يلاحظ مراقبون أن سياسات القمع والأمن لم تتغير في تعاملها مع مكونات مجتمعية عديدة.
فيما يرى مراقبون أنه في الوقت الذي تدار فيه بنادق وآليات سلطة الأمر الواقع نحو أبناء البلد من علويين ودروز وأكراد، ضمن سياسات تمييزية وتهميشية، يتم منح امتيازات استثنائية لإسرائيل في الجنوب السوري، وإبرام تسويات مغلقة مع رموز الفساد السابقين. هذه المعادلة تضع علامات استفهام كبيرة حول أولويات الحكم الجديد، وحول مفهوم "العدالة" الذي يُطبق بشكل انتقائي، حيث يُغفر لرجال المال والنفوذ بينما تستمر سياسات القمع والإقصاء ضد المجتمعات المحلية.
هذا التناقض الصارخ يسلط الضوء على إشكالية جوهرية في مسار الانتقال السياسي، حيث تُطوى صفحات الماضي مع من كان داعماً وجندياً أميناً للنظام السابق، بينما تبقى جراح الحاضر مفتوحة في جسد مناطق ومجتمعات ما زالت تدفع ثمن سياسات التمييز والقمع.
وعلق الباحث السياسي محمد هويدي على هذه التناقضات بالقول: "على الصعيد الشخصي، أنا مؤمن بمبدأ الاحتواء الشامل والمصالحة الوطنية، وبأهمية طي صفحة الماضي لتحقيق وحدة وطنية حقيقية"، مشيراً إلى أن "هذا الاحتواء لا ينبغي أن يكون انتقائياً، ولا أن يُقاس بمقدار ما في الحسابات البنكية، بل يجب أن يشمل الجميع دون استثناء، ليصبح مشروعاً وطنياً حقيقياً يجمع السوريين على أساس العدالة والمساواة، لا على الامتيازات أو النفوذ المالي."
وأضاف هويدي:"وعليه، يجب إطلاق سراح جميع المعتقلين، وإعادة جميع المفصولين من وظائفهم، وإيقاف الخطاب التحريضي والإقصائي، ووضع حد لسياسة الاعتقال العشوائية تحت عنوان (الفلول)، خصوصاً أن كبار الفلول وشيوخهم هم اليوم في أحضان السلطة، بل ويعدون من أهم حلفاء إيران والحرس الثوري سابقاً."
واختتم الباحث السياسي حديثه بالقول: "لذلك، يجب أن تكون المصالحة شاملة وغير انتقائية، تقوم على الإنصاف والمساواة، لا على الحسابات البنكية."
وبهذا يظل السؤال الأكبر معلقاً: هل يمكن لمسار المصالحة أن ينجح إذا كان يقوم على معايير مزدوجة، تجمع بين التسويات مع رموز المال والقمع للمجتمعات المحلية؟ أم أن العدالة الانتقالية الحقيقية تتطلب اعترافاً شاملاً بالجراح، ومساءلةً عادلةً، ومصالحةً لا تفرق بين السوريين على أساس انتماءاتهم أو قدراتهم المالية؟