نبض سوريا -متابعة
بينما ترفع الحكومة السورية الجديدة شعارات العدالة الانتقالية، يكشف تقرير "هيومن رايتس ووتش" العالمي لعام 2026 عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي المعلن والممارسات الفعلية على الأرض، في مشهد يُعيد إنتاج ثقافة الإفلات من العقاب التي ميزت عقداً من انتهاكات النظام السابق.
التقرير، أقرّ بقيام السلطات في دمشق بإنشاء هيئات شكلية جديدة تتعلق بالعدالة والمفقودين، لكنه سرعان ما فضح افتقار هذه الخطوات للمصداقية والشفافية، خاصة فيما يتعلق بالتحقيق في الجرائم الجماعية والمسؤولية القيادية العليا عن أعمال العنف الطائفي والهوياتي التي شهدتها محافظات عديدة خلال العام الماضي.
وفي تفاصيل تكشف هشاشة الادعاءات الرسمية، أشار التقرير إلى أن تدخل القوات الحكومية في السويداء في تموز 2025، ردا على اشتباكات أودت بحياة قرابة 100 شخص، لم يُتبع بإفصاح حقيقي عن دور كبار القادة العسكريين والمدنيين في تلك الأحداث أو كيفية محاسبتهم، مما يضع علامات استفهام كبرى حول نية النظام الحالي في كسر الحلقة المفرغة للعنف.
وأكد التقرير الدولي أن الانتقال إلى مرحلة تحترم حقوق السوريين يتطلب "مساءلة شاملة" عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، وليس انتقاءً انتقائياً لبعض الجرائم الفردية مع إغفال المسؤولية المؤسسية المنظمة، والتي تشكل جوهر الأزمة السورية.
وفي تعليق لاذع، قال آدم كوغل، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش": "جعلت السلطات السورية الجديدة العدالة والمساءلة أولوية على الورق، لكن هذه الجهود لا يمكن أن تكون انتقائية أو أحادية الجانب. للانتقال بسوريا إلى حقبة جديدة، على السلطات أن تضمن المساءلة الشاملة عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف".
كما سلط التقرير الضوء على تناقض صارخ، حيث ترفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية عن دمشق في وقت يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويواجه نصفهم صعوبات جمة في الحصول على الغذاء الأساسي، مما يطرح تساؤلات حول أولويات الحكومة التي فشلت في تحويل "مكاسب" رفع العقوبات إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين.
واختتم التقرير بمطالب واضحة للحكومة السورية، تشمل الانضمام الفعلي إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتعاون الجدي مع آليات المساءلة الدولية، وإجراء إصلاحات أمنية جذرية تقصي مرتكبي الانتهاكات من الأجهزة الأمنية، ووضع مدونات سلوك واضحة – وهي مطالب لا تزال، وفق المراقبين، حبيسة الأدراج ومؤتمرات الصحف دون أي تنفيذ فعلي يذكر، في استمرار مأساوي لسياسات الماضي.