نبض سوريا - متابعة
حذّرت مجلة "فوربس" الأمريكية في تقرير لها من أن تدفّق رؤوس الأموال الخليجية إلى قطاعات حيوية في سوريا يجري في ظل غياب الأطر التنظيمية والمؤسساتية القادرة على إدارة هذه الاستثمارات، ما يهدّد بإعادة إنتاج أنماط الاحتكار والاستحواذ التي ساهمت في إشعال الاحتجاجات الشعبية عام 2011.
وأعادت المجلة التذكير بأن السعودية وقّعت في 7 شباط 2026 التزامات استثمارية مؤكدة بقيمة 2.8 مليار دولار مع الحكومة السورية، تشمل تطوير مطارين في حلب، وإنشاء شبكة ألياف ضوئية بطول 4,500 كيلومتر، وتأسيس شركة طيران مشتركة، إضافة إلى محطة لتحلية المياه على الساحل.
وأشارت "فوربس" إلى أن هذه الامتيازات تمنح شركات سعودية كبرى دورًا في تشغيل بنى تحتية أساسية في دولة ما تزال تفتقر إلى جهاز قضائي فاعل، وأضافت أن رأس المال وصل قبل المؤسسات، لافتةً إلى أن مخاطر إعادة الإعمار تتجلى في ثلاثة أبعاد رئيسية.
في البعد الأول، المتعلق بتركيز الاستثمارات، أوضحت "فوربس" أن دولًا خليجية أعلنت منذ منتصف عام 2025 مذكرات تفاهم تقارب قيمتها 28 مليار دولار، موجّهة إلى اقتصاد يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي نحو 21 مليار دولار، فيما يقدّر البنك الدولي فاتورة إعادة الإعمار بـ216 مليار دولار.
ولفتت المجلة إلى أن هذه التدفقات تمر عبر عدد محدود من التكتلات. فقد حصلت شركة الاتصالات السعودية (STC) على عقد "سيلك لينك" بقيمة تتجاوز 800 مليون دولار، ووقّعت "أكوا باور" مذكرات تفاهم لمشاريع تحلية مياه، كما التزم "صندوق إيلاف" بضخ ملياري دولار في نظام مطارات حلب.
وفي قطر، يملك تكتل "UCC Holding" التابع لمجموعة "باور إنترناشيونال" المملوكة لعائلة الخياط امتيازات تشمل توليد الكهرباء ومطار دمشق الدولي وحصصًا مسيطرة في مصرفين سوريين، بينما حصلت "موانئ دبي العالمية" على امتياز تشغيل مرفأ طرطوس لمدة 30 عامًا بقيمة 800 مليون دولار.
وأشارت المجلة إلى أن أربعة تكتلات خليجية باتت تتموضع عبر المطارات والموانئ وشبكات الكهرباء والاتصالات وإمدادات المياه والقطاع المصرفي، في وقت منحت فيه الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع هذه الامتيازات قبل إقرار قانون للمنافسة أو إطار للشراكة بين القطاعين العام والخاص أو إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة.
وفي البعد الثاني، المتعلق بالشفافية، نقلت "فوربس" عن تحليل صادر عن "مبادرة الإصلاح العربي" أن اتخاذ القرار الاقتصادي يتركّز في "المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية" و"هيئة الاستثمار السورية"، وكلاهما يخضع مباشرة لسيطرة الرئاسة، مع غياب معلومات كافية حول آليات التفاوض واختيار الشركاء وهيكلة الملكية.
كما أفادت بأن الحزمة السعودية المعلنة في تموز 2025 بقيمة 6.4 مليار دولار تضمنت 47 اتفاقية شملت أكثر من 100 شركة سعودية، غير أن معظمها كان مذكرات تفاهم غير ملزمة لم تُكشف شروطها، بحسب ما نقلت "فوربس" عن تقرير سابق لوكالة "رويترز".
ولفت التقرير إلى أن مشروع "سيلك لينك" يُعد من المشاريع القليلة التي انتقلت إلى اتفاق تنفيذ موقّع بعد ما وُصف بمناقصة تنافسية، إلا أن شروط الترخيص وتقاسم الإيرادات وسياسة الطيف الترددي ونسبة الملكية السورية لم تُنشر، كما لم تُكشف هوية الشركاء المحدودين في "صندوق إيلاف" أو آلية عمل لجنة استثماراته.
وفي البعد الثالث، المتعلق بالتوزيع الجغرافي، أوضحت المجلة أن المشاريع تركّزت بشكل رئيسي في دمشق وحلب، في حين تغيب مناطق الساحل والسويداء وشمال شرق البلاد عن خريطة التدفقات الاستثمارية المعلنة، رغم أنها شهدت بعضًا من أشد موجات العنف خلال الأشهر الماضية، معتبرة أن إعادة إعمار تعيد إنتاج نمط تركز الموارد في مدن محددة قد تعمّق مشاعر التهميش بين المركز والأطراف.
وأضافت أن أوجه التشابه تمتد إلى الآليات الاقتصادية، إذ كان القطاع الخاص في عهد الأسد خاضعًا لسيطرة رجال أعمال مرتبطين بالنظام استفادوا من العقود الحكومية ورخص الاتصالات، بينما تُمنح اليوم امتيازات طويلة الأجل من سلطة تنفيذية مركزية بقدر محدود من الشفافية، ومن دون آليات تنافسية واضحة أو رقابة مؤسساتية مستقلة.
وأشارت "فوربس" إلى أن الالتزامات الغربية ومتعددة الأطراف تبلغ نحو 766 مليون دولار، تشمل 620 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي للفترة 2026-2027 ومنحة بقيمة 146 مليون دولار من البنك الدولي لتطوير نقل الكهرباء، مقابل أكثر من 28 مليار دولار في مذكرات تفاهم خليجية، ما يعكس نسبة تقارب 36 إلى 1 لصالح رأس المال الثنائي غير المشروط مقارنة بالتمويل المرتبط بأطر حوكمة.
وذكّرت بأن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي يفرضان معايير للمشتريات العامة وضوابط بيئية ومتطلبات لمكافحة الفساد، بينما لا تفرض الاستثمارات الخليجية شروطًا مماثلة. واعتبرت أن العائد الاستراتيجي للسعودية يتمثل في إعادة توجيه سوريا بعيدًا عن إيران وتعزيز موقع الرياض إقليميًا، فيما تأتي العوائد المالية على المدى البعيد، مؤكدة أن الفراغ الحوكمي ليس أثرًا جانبيًا بل شرطًا مُمكنًا لهذه الاستثمارات.
وختمت المجلة بأن السؤال لم يعد حول قدرة رأس المال على دخول سوريا بعد تفكيك العقوبات، بل حول قدرة البنية المؤسسية على استيعابه من دون إعادة إنتاج الديناميكيات التي دمّرت البلاد، محذّرة من أن الاستثمار من دون ضوابط ومنافسة وشفافية وعدالة جغرافية قد يؤدي إلى استخراج الريع بدل إعادة الإعمار، وأن الفجوة بين حجم الاستثمارات الخليجية والأطر الحوكميّة اللازمة لتحويلها إلى نتائج تنموية هي التي ستحدد مسار استقرار سوريا في المرحلة المقبلة.