رمضان على موائد خاوية..
غلاء ينهش الرواتب وطوابير الغاز تمتد من دمشق إلى درعا

  • A+
  • A-

 نبض سوريا _ محافظات

 يدخل السوريون شهر رمضان هذا العام تحت ضغط معيشي غير مسبوق، حيث تتآكل الرواتب أمام موجات غلاء متسارعة، وتتزاحم الأزمات من كهرباء وغاز ومحروقات إلى بطالة وانعدام بيئة عمل مستقرة، في مشهد يختصره كثيرون بعبارة واحدة: “الناس لم تعد قادرة على الاحتمال”.


في الأسواق، تبدو الحركة خجولة مقارنة بالسنوات الماضية، أسعار المواد الغذائية ارتفعت إلى مستويات قياسية، فيما القدرة الشرائية تتراجع بشكل حاد، في طرطوس، بلغ سعر كيلو لحم الخروف 160 ألف ليرة، والفروج المنظف 35 ألفاً، والزيت 27 ألفاً لليتر، والسمنة 35 ألفاً للكيلو، بينما سجلت الخضار أرقاماً مرتفعة أنهكت العائلات التي تكتفي بشراء الحد الأدنى من الاحتياجات، وتلغي أصنافاً كانت أساسية على موائد الإفطار.


رواتب المتقاعدين والموظفين لم تعد تكفي لأيام معدودة. راتب تقاعدي يقارب المليون ليرة سورية، تقابله فاتورة كهرباء تصل إلى 900 ألف ليرة، ما يعني أن معظم الدخل يذهب لخدمة واحدة فقط، دون احتساب الغذاء والدواء والمواصلات أو إيجار المنزل. ويؤكد مواطنون أن الكهرباء باتت عبئاً ثقيلاً، ليس فقط بسبب كلفتها المرتفعة، بل أيضاً بسبب الانقطاعات الطويلة التي تعرقل أي نشاط إنتاجي.


أزمة الغاز زادت المشهد قتامة، في درعا ودمشق، أظهرت مقاطع فيديو طوابير طويلة لمواطنين ينتظرون لساعات أملاً بالحصول على أسطوانة غاز بالسعر الرسمي، فيما يؤكد كثيرون أن الكميات لا تكفي الجميع. ومع شحّ المادة، قفز سعر الأسطوانة في السوق السوداء ليقترب من 200 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يتجاوز قدرة غالبية الأسر. ويقول أحد المواطنين في تسجيل متداول: “إذا ما لحقت الدور، ما إلك غير السوق السودا… ومن وين بدنا نجيب 200 ألف؟”.


في اللاذقية، قال رئيس لجنة حي، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن “الناس أصبحت تنتظر الموت من الجوع على موائد خاوية”، مشيراً إلى أن بعض العائلات لم تدفع ثمن الخبز منذ عام كامل، وتعتمد على الديون أو المساعدات. وأضاف أن الأهالي باتوا يقلّصون وجباتهم إلى الحد الأدنى، فيما يُحرم الأطفال من احتياجات أساسية.


وتنتشر عبر منصات محلية مقاطع فيديو لمواطنين يبكون من سوء الحال، ويشتكون من عجزهم عن شراء الخبز أو دفع إيجار منازلهم، ما دفع بعضهم إلى افتراش الشوارع بعد تراكم الديون. في أحد المقاطع تقول سيدة: “الكهربا نار… كل شي بالسوق نار… كلو ارتفع لعشرة أضعاف، والشعب ما عم يلاقي شغل، ومنهم مفصولين من وظائفهم… الناس من وين بدها تعيش؟”.


سوق العمل بدوره يشهد حالة ركود حاد. ورشات صغيرة أغلقت أبوابها نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، لا سيما مع ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء، فيما يشكو عاملون من بيئة غير آمنة وغير مستقرة لا تشجع على الاستثمار أو خلق فرص عمل جديدة. كثيرون فقدوا وظائفهم خلال الأشهر الماضية، وآخرون يبحثون بلا جدوى عن مصدر دخل ثابت.


في حلب، تناشد سيدة عادت حديثاً من تركيا برفقة عائلتها الجهات المعنية النظر في أوضاع العائدين، قائلة: “لا صحة ولا أمن ولا كهرباء ولا اهتمام… ليش قلتولنا ارجعوا؟”. تضيف أن عائلتها فوجئت بواقع معيشي قاسٍ، وارتفاع كبير في الأسعار، وغياب فرص العمل، ما جعل العودة أشبه بصدمة جديدة.


أما في دير الزور، فقد شهدت المدينة تظاهرات يومية احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات وتردي الخدمات وانعدام الاهتمام بالقطاع التعليمي، متظاهرون عبّروا عن خيبة أملهم من استمرار الأزمات رغم التغييرات السياسية، مؤكدين أن أسعار الوقود تنعكس مباشرة على النقل والسلع، فيما يعاني التعليم من نقص حاد في الإمكانات.


بين تضخم متصاعد، ورواتب جامدة، وطوابير غاز، وفواتير مرتفعة، وبيئة عمل هشة، يدخل السوريون رمضان هذا العام مثقلين بالهموم، وفي ظل غياب حلول ملموسة تخفف الضغط عن الفئات الأكثر هشاشة، يبقى السؤال الذي يتردد في الشارع: إلى متى يستطيع الناس الصمود في وجه هذا الواقع المعيشي المتفاقم؟