التدمير الشامل كأداة تفاوض..
تصعيد أمريكي يثير مخاوف من تقويض القانون الدولي الإنساني

  • A+
  • A-

 نبض سوريا -  

تناولت أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية ليلى نقولا، في مقال إشكالية استخدام خطاب “التدمير الشامل” في النزاعات الدولية، متسائلة عن انعكاساته على قواعد القانون الدولي الإنساني، في ظل التصعيد الأمريكي الأخير تجاه إيران.


وأشارت نقولا إلى أنّ القانون الدولي الإنساني تأسّس على تراكم طويل من الأعراف واحترام المبادئ، إلا أنّ تبنّي دولة كبرى خطاباً يقوم على التدمير الواسع للبنى التحتية من شأنه أن يعيد مسار هذا القانون إلى الوراء، ويؤسس لسابقة خطيرة تُفرغ قواعده من مضمونها.


وفي هذا السياق، لفتت إلى تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن فيها تقليص مهلة سابقة لإيران إلى 48 ساعة، ملوّحاً بتدمير واسع للبنى التحتية في حال عدم الاستجابة، وهو ما وصفه بـ”الجحيم”، في إطار تصعيد اعتبرته نقولا غير مسبوق في الخطاب الرسمي الأميركي.


ورأت الكاتبة أنّ الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تشكّل محطة مفصلية في تطوّر القانون الدولي الإنساني، خصوصاً مع خروج الخطاب الأميركي عن الضوابط التقليدية، حيث لم يقتصر الأمر على إعلان نتائج عسكرية، بل تعدّاه إلى استخدام لغة تنطوي على التباهي بالتدمير المتعمّد للبنى المدنية.


وفي مثال أثار جدلاً واسعاً، استعرضت نقولا حادثة إعلان ترامب إغراق سفينة إيرانية في المحيط الهندي ومقتل أكثر من مئة من بحّارتها، رغم تأكيد أنها كانت في مهمة غير قتالية. ونقلت عنه قوله إن إغراقها كان “أكثر متعة” من الاستيلاء عليها، معتبرة أنّ هذا الخطاب يشكّل انتهاكاً صريحاً لمبدأي الضرورة العسكرية والتناسب، إضافة إلى خرق مبدأ حماية المقاتلين العاجزين عن القتال.


كما توقّفت عند تهديدات أميركية باستهداف الجسور ومحطات الكهرباء في إيران، في سياق ما وصفه ترامب بإعادة البلاد إلى “العصر الحجري”، مشيرة إلى نشر مقاطع مصوّرة لانهيار أحد الجسور. واعتبرت أنّ هذه التهديدات، حتى مع تبريرات لاحقة بوجود استخدام عسكري، تطرح إشكالية عدم التمييز بين الأهداف العسكرية والبنى الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون.


وأكدت نقولا أنّ استهداف مرافق حيوية كالكهرباء والمياه والجسور يتعارض مع أحكام اتفاقيات جنيف، ولا سيما البروتوكول الإضافي الأول الذي يحظر استهداف الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين. كما أشارت إلى تحذيرات صادرة عن خبراء قانون دولي في جامعات أميركية بارزة من احتمال ارتكاب جرائم حرب في ضوء هذه التصريحات والعمليات.


وبيّنت أنّ هذه الممارسات تنطوي على انتهاكات أساسية، أبرزها الإخلال بمبدأي التمييز والتناسب، وانعدام الضرورة العسكرية، معتبرة أنّ التلويح بإعادة دولة كاملة إلى “العصر الحجري” يعكس نيّة لإلحاق ضرر شامل بالمدنيين، وهو ما يتناقض مع جوهر قواعد النزاعات المسلحة.


وفي خلاصة مقالها، حذّرت نقولا من أنّ استخدام هذا النوع من الخطاب من قبل دولة كبرى كأداة تفاوض قد يرسّخ سوابق خطيرة، تفتح الباب أمام دول أخرى لتبرير تجاوزات مماثلة، ما يهدد الإطار القانوني والأخلاقي للنظام الدولي.