نبض سوريا - خاص
بقلم : عمر حمد – باحث في الشؤون السياسية
منذ سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، لم تعد المعركة في سوريا عسكرية فقط، بل تحولت بسرعة إلى معركة وعي، جرى فيها توجيه الرأي العام نحو مسارات مدروسة بعناية عند سقوط النظام ، تصدّر المشهد ملف سجن صيدنايا وبقية السجون ، في حملة إعلامية ضخمة خلطت بين الحقائق الموثقة، والروايات المشكوك فيها، والقصص المختلقة، لتنتج حالة من الغليان الشعبي غير المنضبط.
لكن الأخطر لم يكن في كشف الانتهاكات بحد ذاته، بل في توقيت هذا التضخيم، وفي كيفية توظيفه. ففي اللحظة التي انشغل فيها السوريون بسرديات التعذيب، والحديث عن “المكابس” والانتقام، كانت سماء سوريا تمتلئ بالغارات الإسرائيلية التي دمّرت بشكل ممنهج ما تبقى من مقدرات الجيش العربي السوري من طائرات، دبابات، صواريخ، قواعد بحرية، ومستودعات استراتيجية، بعملية تفكيك كاملة لدولة عسكرياً، جرت تحت غطاء عاطفي مشحون.
والنتيجة كانت كارثية، تحوّل الغضب إلى تحريض طائفي أعمى، وبدلاً من أن يُوجَّه نحو إعادة بناء الدولة أو مواجهة التهديد الخارجي، انفجر داخلياً في مجازر الساحل السوري، ولاحقاً في السويداء، وهكذا، تم استدراج المجتمع إلى صراع داخلي دموي، بينما كانت إسرائيل تحقق أهدافها الاستراتيجية دون مقاومة تُذكر.
اليوم، يتكرر المشهد بطريقة تكاد تكون مطابقة، إعادة فتح ملفات مثل حادثة التضامن، ومشفى تشرين، وقضية الطيارين، بنفس الأسلوب مزج بين الحقيقة والخيال، ضخ إعلامي مكثف، واستثارة عواطف جماعية قابلة للاشتعال، السؤال لم يعد إن كانت هذه الملفات حقيقية أو لا، بل لماذا الآن؟ ولمصلحة من يُعاد إشعالها بهذا الشكل؟
المعطيات الميدانية تشير إلى أن إسرائيل تُحضّر لعملية أوسع في الجنوب السوري، وإذا ما ربطنا ذلك بتجربة صيدنايا، فإننا أمام معادلة خطيرة تتكرر: حدث إعلامي مشحون و تجييش طائفي واسع ثم عملية إسرائيلية على الأرض وبعد ذلك مجزرة داخلية تُغطي على كل ما سبق.
إنها ليست مصادفة، بل نمط يقوم على تفكيك المجتمعات من الداخل، وتحويلها إلى ساحات صراع ذاتي، بحيث يصبح العدو الخارجي خارج دائرة التركيز، وفي ظل هذا السيناريو، لا تبدو سوريا مقبلة فقط على اجتياح جديد، بل ربما أيضاً على مجزرة أخرى، تُكتب فصولها بنفس الحبر الأسود.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بجرأة هل يتعلم السوريون من التجربة، أم سيُعاد استدراجهم مرة أخرى إلى الفخ ذاته؟ لأن الخطر الحقيقي لم يعد فقط في القتال والفتنة ، بل في القدرة على توجيه العقول قبل تدمير الأرض.