نبض سوريا -متابعة
أثار البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية السورية رقم 201 جدلاً قانونياً واسعاً حول تنظيم حق التظاهر، بين اعتباره إطاراً تنظيمياً ضرورياً للحفاظ على النظام العام، وانتقادات ترى فيه تقييداً لحريات كفلتها الإعلانات الدستورية.
في هذا السياق، قدّم المحامي المعتصم كيالي قراءة قانونية متعمقة للبلاغ، وأوضح أن البلاغ يحمل دلالات إيجابية من حيث إقراره الصريح بحق المواطنين في التعبير الجماعي، وهو ما يرتبط بحرية الرأي والتعبير كحق أساسي تكفله الإعلانات
أوضح كيالي أن الجهة الإدارية تسعى عبر هذا القرار إلى إرساء إطار تنظيمي يهدف إلى ضمان ممارسة حق التظاهر ضمن حدود السلمية، بما يحقق التوازن بين حرية الأفراد ومتطلبات الحفاظ على النظام العام وحماية الأرواح والممتلكات.
وأضاف كيالي أنه يُحسب للقرار أنه يضع إجراءات محددة لطلب تنظيم المظاهرات، ويحدد جهة مختصة للنظر فيها، ويقر بآجال زمنية للبتّ، كما يتضمن إشارات إلى إمكانية الطعن في القرارات الصادرة، وهو ما يعكس التزاماً نظرياً بمبدأ المشروعية وخضوع الإدارة للرقابة القضائية.
لكن المحامي حذر، في قراءته الحقوقية المتعمقة، من أن هذا التنظيم ينطوي على قيود جوهرية قد تمس جوهر الحق ذاته.
وأوضح أن اشتراط "الترخيص المسبق" بدلاً من "الإخطار" يضع حق التظاهر في موقع التقدير الإداري، ويحوّله من حق أصيل إلى امتياز مشروط بموافقة السلطة التنفيذية.
وأكد كيالي أن هذا النهج يتعارض مع الاتجاه الغالب في الفقه الدستوري والمعايير الدولية، التي تميل إلى الاكتفاء بنظام الإخطار المسبق، باعتبار أن الأصل في الحقوق هو الإباحة، وأن القيود يجب أن تكون استثنائية.
وشدد على ضرورة أن تكون الموافقة مؤكدة بنسبة 100%، وأن تبقى الإجراءات تنظيمية فقط دون تحولها إلى أداة للمنع.
لفت المحامي إلى أن استخدام عبارات عامة وفضفاضة مثل "الحفاظ على النظام العام" أو "الأمن" دون تحديد دقيق لمضامينها يفتح المجال أمام تفسير واسع قد يُستخدم لتقييد الممارسة الفعلية للحق.
وأعرب عن خشيته من أن تتحول السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة إلى أداة لتعطيل التظاهرات التي لا تنسجم مع توجهاتها، وهو ما يتعارض مع مبدأ الحياد الواجب توافره في عمل السلطات العامة.
كما أشار كيالي إلى أن اشتراط فترات زمنية محددة للرد على الطلبات قد يؤدي عملياً إلى تعطيل التجمعات العفوية التي تنشأ استجابة لأحداث طارئة، وهي حالات تعترف بها المعايير الدولية كجزء من الحماية الواجبة لحرية التجمع السلمي.
في أخطر ملاحظاته، حذّر المحامي كيالي من أن منح الجهة الإدارية صلاحية إنهاء المظاهرة في حالات تقديرية يثير إشكاليات كبرى، خاصة إذا لم يكن هناك تهديد فعلي ومباشر للنظام العام.
وقال كيالي إن ذكر البلاغ أن للسلطة حق إنهاء التظاهرة بالوقت الذي تراه مناسباً، يعني ضمناً إمكانية فضّها بالقوة، وهذا ما يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويخالف الحق في حرية الرأي والتعبير.
وحول توافق هذا القرار مع الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، رأى المحامي كيالي أن الأمر يظل مرهوناً بمدى تفسير النصوص الدستورية ذات الصلة بحرية التعبير والتجمع.
وأوضح أنه إذا كان الإعلان الدستوري قد كفل هذه الحريات كحقوق أساسية، فإن أي تنظيم لها يجب ألا يمس جوهرها أو يفرغها من مضمونها.
وخلص كيالي إلى أن التوازن المطلوب يقتضي أن يكون التنظيم موجهاً لتيسير ممارسة الحق لا لتعقيده، وأن تكون القيود محددة بدقة، ومبررة بضرورة حقيقية، وخاضعة لرقابة قضائية فعالة.
في ختام قراءته القانونية، قال كيالي إن القرار يعكس محاولة لإطار تنظيمي مشروع من حيث الشكل، لكنه يطرح إشكاليات جدية من حيث المضمون، تتعلق بمدى احترامه للمعايير الحديثة لحرية التجمع والتعبير.
وأضاف: "بينما يُسجل للقرار اعترافه بالحق وتنظيمه، يؤخذ عليه أنه يمنح الإدارة سلطة واسعة قد تؤدي في التطبيق إلى تقييد هذا الحق بما يتجاوز الحدود المقبولة دستورياً وحقوقيا.
من جانبه، اعتبر الناشط الصحفي مروان فرزات " أن التظاهر هو حق شرعي لكل السوريين، وهو حق مكفول بالإعلان الدستوري الذي وضعته السلطة الحاكمة نفسها.
وقال فرزات إن "تعميم وزارة الداخلية هو التفاف على الإعلان الدستوري لتفريغ حق التظاهر من مضمونه وتقييده بموافقة مسبقة".
وشدد الناشط خلال منشور له على "الفيسبوك" على أن التظاهر لا يحتاج إلى رخصة وموافقة مسبقة أبداً، بل يحتاج فقط إلى إخطار، حيث تقوم اللجنة المنظمة للمظاهرة بإبلاغ السلطات بموعد المظاهرة ومكانها وعدد المتظاهرين المتوقع، دون أن تنتظر موافقة من السلطة.
وأوضح أن الإخطار هو فقط لتقوم السلطات الأمنية المختصة بمهامها في حماية المظاهرة وتأمين الطرق وحركة السير في المنطقة.
وختم فرزات منشوره بالقول: "للأسف، لا تزال السلطة الحالية تُصر على تشويه كل شيء، منذ مؤتمر الحوار الوطني الهزيل حتى تاريخ اليوم، كل ما تقوم به السلطة مشوّه”.