نبض سوريا - متابعة
أكد المختص بالشأن الاقتصادي ثامر قرقوط في بداية تحليله أن الشرق الأوسط، تعريفاً، ليس مجرد جغرافيا بحدود ثابتة تتقاسمها دول متعددة وأنظمة مختلفة الجوهر، بل هو خزان الوقود العالمي، أكبر مورد للطاقة، منطقة غنية بالثروات والتناقضات.
يرى قرقوط في مقال له أن" هذا الشرق الأوسط يشكل خزاناً بشرياً يده أقرب إلى الزناد منها إلى الحوار، حيث يشعر سكانه بهويتهم المهددة وبكيانهم القابل للانفجار، ولهذا نرى التحصينات العسكرية والإنفاق على السلاح أعلى من أي إنفاق على التنمية والبحث العلمي، بل إن الإنفاق على العسكرة وضمان الأمن الهش يفوق الإنفاق على فتح دور الثقافة والجامعات.
وبين الكاتب أن هناك حالتين جعلتا الشرق الأوسط مهماً، وأبدت فيه الدول اهتماماً خاصاً، الحالة الأولى هي غناه بالثروات غير المتجددة، إذ تمتلك دول الشرق الأوسط 50 بالمئة من احتياطي العالم من النفط المؤكد بما يعادل 800 مليار برميل، و40 بالمئة من احتياطي الغاز الطبيعي، وتتركز الثروة النفطية والغازية لدى دول الخليج وإيران، إضافة إلى ثروات هائلة من الذهب والفوسفات ومعادن ثمينة أخرى.
وبناءً على ذلك يؤكد أن هذه المنطقة شهية للنفوذ، مغرية للسيطرة، تستحق أن تتجه إليها الجيوش، وأن تمخر عباب بحرها السفن، وأن تدنس أجوائها الطائرات الحربية.
أما الحالة الثانية للاهتمام بالشرق الأوسط، فيشرحها الكاتب بأنها تكمن في غياب الديمقراطيات والحريات، واختفاء ملامح الدولة الوطنية في معظم دوله الغنية.
ووصف قرقوط الشرق الأوسط بأنه يعيش حالة فوضى مستمرة، في تناقض صارخ لمنطقة أنتجت حضاراته القديمة المتعاقبة القانون وأنظمته، ابتكرت الأبجدية الأولى، اكتشفت الزراعة، أسست التجارة البحرية، بنت المدن، انشغلت بالهندسة والرياضيات، اهتمت بالفلك، بحثت عن الخلود لافتًا إلى المفارقة القاسية، حيث تعيش منطقة وضعت أول نوتة موسيقية على وقع المارشات العسكرية وطبول الحرب.
ينتقل الكاتب إلى الحديث عن سمة معاصرة للشرق الأوسط، فيشير إلى أنه يفرز مليارديرات جدداً سنوياً، مستشهداً بتقرير للبنك السويسري UBS نهاية العام المنصرم، والذي أظهر وصول عدد المليارديرات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا إلى 91 شخصاً، مقارنة بـ 72 في العام 2024، أي بزيادة 19 مليارديراً جديداً، 13 منهم سعوديين.
وأعرب قرقوط عن خيبة كبرى، حول مساهمة دول تلك المنطقة بالبحث العلمي والاكتشافات الجديدة، والتي لا تتناسب مع هذه الثروات الطائلة.
وفي معرض تحليله لطبيعة الصراع، يقر قرقوط أن سمة الشرق الأوسط هي الحروب، ويؤكد أن الحروب في هذه المنطقة تتميز بأنها حروب مفاجئة لكنها طويلة.
وأشار قرقوط إلى أن المنطقة التي تعيش على وقع المعارك الطاحنة وتغفو على مصادر الطاقة، يصبح التناقض فيها سيداً للتحالفات واصفا الشرق الأوسط بأنه دول بثروات باطنية فريدة وبحكومات غير ديمقراطية، معتبراً أن هذه هي الوصفة الجاهزة للتدخل الخارجي، والبيئة المناسبة للقواعد العسكرية الأجنبية مدفوعة الثمن والأجر.
ويستشهد الكاتب على ذلك بأن المنطقة شهدت أطول حرب تقليدية وهي الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، وأطول فترة صراع مسلح مستمر والمتمثل بالصراع العربي الإسرائيلي، ويضيف أن حروب الشرق الأوسط متعددة، منها التقليدي، ومنها النزاعات ومنها الحروب الأهلية، وهي حالة عداء متحفزة في تلك البقعة الملعونة.
ويشير إلى أن موقع ويكيبيديا يحصي 93 حرباً ونزاعاً مسلحاً وتمرداً في الشرق الأوسط خلال الفترة 1902 إلى 2017، منها الربيع العربي في تونس وليبيا ومصر وسوريا ككتلة واحدة، وأبرزها حربا الخليج الأولى والثانية، والحروب مع إسرائيل، والثورة العربية الكبرى التي أطاحت بالدولة العثمانية.
يصل الكاتب إلى نتيجة مفادها أن الشرق الأوسط مقتول بأيدي أبنائه، وبخيارات قوى لا تمت إليه بصلة مشيرا إلى أن لبرميل النفط، وللمتر المكعب من الغاز، قوة مهولة ليكون هذا الشرق تحت الضوء دائماً، مؤكداً أن تسعير البترول أقوى من أي رغبة دولية في اتخاذ قرار ما، أو اتباع سياسة محددة، أو صوغ موقف ثابت، فالبترول لا يزال قادراً على رسم الخرائط، وتقليص الجغرافيا، وفتح الحدود، وإغلاق الممرات.
واكد الكاتب أن البترول ما زال سيد العالم، و باسمه وقيمته تحدد الخيارات المقبلة، ومن خلاله تؤمن موارد التنمية موضحا أن البترول هو القاعدة الخفية المعتمدة لرسم السياسات الاقتصادية، فانخفاض أسعاره وارتفاعها هو بيضة القبان في الخطط السياسية والتنموية، وفي بناء التحالفات مضيفا أن قاعدة الدولار، كسعر معتمد ومعياري لكل شيء، هي قاعدة لاحقة للبترول والغاز.
يوضح ثامر قرقوط فكرة مهمة، وهي أن الدولار لا يحدد قيمة برميل النفط، بل الدولار هو مجرد عملة للقياس، وهو أحد أوجه الغطرسة الأمريكية، ونوع من الاستحواذ المالي والنقدي. يؤكد قرقوط أن البترول هو الذي يجعل الدولار، كعملة عالمية، حاضراً في أذهان الجميع.
ويرى الكاتب أن البترول والشرق الأوسط صنوان، يرتبطان بعلاقة وثيقة، فلو كان الشرق الأوسط بلا بترول، سيكون بالنسبة للعالم منطقة نائية، منطقة موحشة، صحارى شاسعة، جبال بلا نهاية، لا يهم أنه موئل الحضارات القديمة ومهد الرسالات السماوية، بل سيكون منطقة غير مرغوب فيها، منطقة تعوم على الدم بدلاً من النفط، وسيصبح هذا الشرق عبئاً على البشرية.
يتساءل ثامر قرقوط عن مستقبل هذه المنطقة، فيرى أن بركان الشرق الأوسط لم يهدأ، وهو الذي لم يعش يوماً دون قلق، ولم يمر شهر دون طبول حرب، ولم تنقضي سنة دون معركة. يتوقع قرقوط أن هذا الشرق سيبقى مشتعلاً، إلى اللحظة التي يجف فيها آخر بئر للبترول.
يقول الكاتب إنه عند تلك اللحظة يمكن أن تطبق دول الشرق الأوسط قاعدة "صفر مشكلات"، وتستبدلها بالقواعد الأمريكية المزروعة فيه لحراسة آبار النفط والغاز، والبالغ عددها ثمان قواعد عسكرية ونحو 11 موقعاً، مثل قاعدة العديد في قطر، وعين الأسد في العراق، وموفق السلطي في الأردن، والجفير البحرية في البحرين، وعريفجان وعلي سالم في الكويت، والظفر في الإمارات العربية المتحدة، والأمير سلطان في السعودية. مؤكدا أن هذه القواعد كلها ستصبح آثاراً دارسة عندما ينفد البترول.
يصف ثامر قرقوط الشرق الأوسط بأنه منطقة طافحة بالعقائد، لديه فائض أيديولوجي مكبوت بقسوة، يغفو على ثقافات متعددة، يستقوي بكل ما يخطر على البال من فكر وثقافة وأيديولوجيا وأدب وشعر وخناجر وأحصنة وأرواح ودم.
وقال قرقوط، بأسف، إن" في الشرق الأوسط فائض أرواح ودم" ويرى أن حروب الثروات في الشرق الأوسط واضحة، وحروب مراكز النفوذ بينة، لكنه يتساءل عن حروب من أجل القتل؟ حروب لإرواء الأرض بالدم؟ ليصل إلى استنتاج مفاده أن كلما بخلت السماء بالمطر، انفجرت ثورة، وسالت دماء، حتى التراب في الشرق الأوسط على استعداد دائم للحرب.
وختم قرقوط تحليله بالتأكيد على أنه من الصعوبة البالغة أن يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة طبيعية، بعيشها، ودولها، دون حدود توسعية، وبلا مظلوميات تاريخية قاهرة.
يرى قرقوط أن هذا التحول مشروط بأن تتحول بلاد هذه المنطقة إلى الديمقراطية، وتصبح بلاد قانون، فيها انتخابات، وحريات، ومسؤوليات للدول غير الدفاع ودرء الخطر وحماية أنظمة الحكم لكنه يصف هذا الاحتمال بأنه "أمنية"، إذ لا أحد من دول العالم يسمح لشعوب المنطقة أن تختار ما يناسبها، وأن تترك الشعوب تتسلم إدارة بلادها بصندوق اقتراع حقيقي، وتنظمها أحزاب حقيقية.
بالتالي، يرجح الاحتمال الآخر، وهو انتظار أن ينفد البترول، وأن ينتهي الغاز، على الرغم من طول المدة الزمنية لذلك، أو حتى ظهور بدائل طاقة جديدة.
ويبدو الاحتمال الثاني، وفقاً لـ قرقوط، هو الأقرب للتصور، وسيكون بمتناول اليد عقب بضعة عقود، حيث نشاهد ربما مغادرة آخر أسطول أمريكي من الشرق الأوسط، وتصبح القواعد العسكرية الأمريكية فيه قواعد مهجورة، ويستعيد الشرق الأوسط دوره المُغيَّب، كمنتج للحضارة، بدلاً من اعتباره مجرد منتج مؤقت للبترول.