نبض سوريا -متابعة
في تقرير موسّع نشرته صحيفة "الأخبار" اللبنانية، يقدّم الكاتب ضياء سعد سردية مختلفة لحياة الفنان معن عبد الحق، لا بوصفها سيرة ذاتية تقليدية، بل كحكاية موقف تختصر صراعاً طويلاً بين الثبات والتبدّل، وبين الفن كقضية والفن كأداة في زمن التحولات.
لا تتمحور الحكاية حول الاسم فقط حسب الكاتب ، بل تتجاوز ذلك إلى رمزية كثيفة، تبدأ من واقعة تعود إلى حرب تموز 2006، حين يُستحضر اسم النائب اللبناني أحمد فتفت، خال معن، في حادثة تقديم الشاي للعدو الإسرائيلي في جنوب لبنان، في مشهد يقدّمه التقرير كأحد أبرز تعبيرات التناقض داخل المشهد السياسي.
في المقابل، يضع التقرير مشهداً آخر يتمثل في ما يصفه بـ"موائد النفوذ" المرتبطة باسم تركي آل الشيخ، حيث وُضعت النخب الفنية أمام مفترق طرق: إما الانخراط في مسار التطبيع، أو التمسك بالموقف. وهنا، يظهر معن عبد الحق كصوت اختار المجاهرة، فبقي – بحسب التقرير – ثابتاً في موقعه.
ويتابع الكاتب روايته، مشيراً إلى أن هذه القصة "لا تسوقها قناة العربية، ولا القنوات والمنصات المطبّعة مع العدو، ولا إعلام النفط والغاز"، في إشارة إلى غياب التغطية عن وسائل إعلام بارزة .
وأكد التقرير أن معن خرج من بيئة عرفت عمق الروابط بين لبنان وسوريا، وعرفت – بالدم والنار والموقف – عروبة السنّة العرب والسوريين، الذين يراد – بحسب الكاتب – اختزالهم اليوم ضمن سرديات سياسية ضيقة أو ربطهم بمسارات التطبيع.
ومن هنا، يستحضر الكاتب مفارقة يراها ثقيلة الدلالة: فمعن عبد الحق، الفنان "السنّي"، بقي ثابتاً على موقفه، رغم صلة القرابة مع أحمد فتفت، الذي ارتبط اسمه بحادثة تقديم الشاي للعدو الإسرائيلي مشيرا إلى أن هذه العلاقة لم تغيّر قناعات معن، بل ظل في قطيعة واضحة معه طوال حياته، متمسكاً بخياره السياسي والفكري.
وعلى عكس الروايات المتداولة، يشدد التقرير على أن معن لم يكن يوماً بوقاً لأي سلطة أو أجيراً لأي نظام، بل كان في موقع الخصومة مع ما يسميه الكاتب "أبواق الأنظمة"، الذين بدّلوا مواقفهم وفق التحولات.
ويصف سعد معن بأنه لم يكن مجرد فنان، بل حالة استثنائية في زمن الندرة، حيث ظل "قابضاً على جمر المقاومة"، صادحاً بصوتها، ومتمسكاً برسالة الفن، في وقت اختار فيه كثيرون الصمت أو التماهي، حتى "لو ركع كل العبيد والجواري عند أقدام تركي آل الشيخ"، وفق تعبير التقرير.
كما يتناول التقرير حضوره في القضايا الإقليمية، مشيراً إلى دعمه للمقاومة في غزة وجنوب لبنان، ورفضه للتطبيع السياسي والثقافي والفني. وفي هذا السياق، يضعه الكاتب إلى جانب الفنان محمد صبحي، المعروف بمواقفه الحادة من مسألة التطبيع.
ويمضي التقرير في رسم صورة أوسع، حيث يضع حكاية معن بين "شاي أحمد فتفت" و"موائد النفوذ"، ليقدّمها كقصة رفض لما يصفه بـ"التطبيع المسموم"، وحضور في زمن الغياب.
كما تطرق الكاتب إلى مواقفه من بعض الأحداث الثقافية، ومنها اعتراضه على استضافة شخصيات مثيرة للجدل، وانتقاده لانفتاح الساحة الفنية على فنانين اعتبرهم جزءاً من مسار التطبيع، في إشارة إلى محمد رمضان وصابر الرباعي وأدهم النابلسي.
وفي ختام التقرير، يرى الكاتب أن اعتقال معن عبد الحق لم يكن بسبب استفزازه لجمهور ما، بل لأنه – وفق طرحه – يجسد صوتاً عروبياً سورياً سنّياً لا يزال يقول "لا" للصهينة، في مواجهة ما يعتبره محاولات لطمس هذا الصوت أو إعادة تشكيله.
كما يربط التقرير ذلك بسياق أوسع من الاعتقالات، مشيراً إلى أسماء مثل خالد العبود وأحمد بدر الدين حسون ومحمد الشعار، معتبراً أنها تعكس مشهداً معقداً، يراد فيه – بحسب الكاتب – دفع السوريين، بمختلف مكوناتهم، إلى مسارات جديدة على حساب مواقفهم التاريخية.
بهذا، تتحول قصة معن عبد الحق إلى أكثر من حكاية فنان، لتصبح – كما يقدّمها التقرير – مرآة لصراع أوسع على الهوية والموقف، حيث يبقى الصوت الثابت نادراً في زمن التحولات.