حين تتحول السياسة الضعيفة إلى رضوخ يصبح حذف الأعياد واجب

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - خاص

في السادس من أيار، يوم الشهداء، كانت الذاكرة الوطنية في سوريا ولبنان تُستعاد سنويًا باعتبارها محطة رمزية مرتبطة بتضحيات تعود إلى عام 1916، حين أُعدم عدد من القادة والمفكرين العرب في بيروت ودمشق على يد السلطات العثمانية، لتتحول المناسبة لاحقًا إلى يوم وطني جامع يعكس معنى التضحية والهوية والاستقلال.


في سوريا، ارتبط هذا اليوم لسنوات طويلة بفعاليات رسمية وشعبية، حيث كانت المقابر ونُصُب الشهداء تتحول إلى مساحات للوفاء، وتُقام مراسم تستحضر تضحيات الجيش العربي السوري الذي تأسس عام 1945، وقدّم عبر تاريخه الطويل شهداء في معارك وصراعات متعددة، ما جعل المناسبة تُصاغ باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية الجامعة. كانت أضرحة الشهداء تُزار، وتُستحضر فيها سِيَرُ رجالٍ من جميع مكونات المجتمع السوري، ضمّهم الجيش العربي السوري منذ تأسيسه، ليكون عنوانًا لوحدة الدم والمصير.


وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السورية، أقدمت "الحكومة الانتقالية" في سوريا على إلغاء عدد من العطل الرسمية من الروزنامة الوطنية، من بينها السادس من أيار، المعروف بـ"عيد الشهداء"، والذي يُحيي ذكرى إعدام عدد من الوطنيين العرب على يد جمال باشا العثماني عام 1916 في دمشق وبيروت، وهو يوم ارتبط تاريخياً بالذاكرة الوطنية في سوريا ولبنان.


ويُعد هذا اليوم من أبرز المحطات الرمزية في الذاكرة السورية، إذ أُدرج منذ عام 1946 ضمن المناسبات الوطنية التي تُستحضر فيها تضحيات الشهداء، كما ظل يُحتفى به في لبنان أيضاً باعتباره يوماً مرتبطاً بالحرية والاستقلال والهوية الوطنية.


و في مفارقة سياسية تختزل تقلبات المواقف وتبدل الولاءات، تقف المقارنة بين مرحلتين شاهدةً على عمق التحول. الحكومة الانتقالية السورية التي نصبتها تركيا حاكمةً على دمشق، تبدو اليوم وكأنها ترضخ بالكامل لإملاءات أردوغان، لا في رسم سياساتها الخارجية فحسب، بل في العبث برموز البلاد وأعيادها الوطنية.

 

المشهد يتناقض جذرياً مع مرحلة ما قبل اندلاع الحرب، حين جمع تقارب معلن بين نظام بشار الأسد وأردوغان، وبلغ التنسيق بينهما مستويات غير مسبوقة، ومع ذلك لم يجرؤ الأسد آنذاك، رغم كل الانتقادات التي طالته، على الاقتراب من عيد يمجد الأبطال ويستعيد ذاكرة النضال. ظل العيد عصياً على الحذف، وكأنه خط أحمر لم يكن بوسع أحد تجاوزه، مما يجعل قرار الحكومة الحالية أكثر دلالة على حجم التبعية التي لا تقف عند حد، بل تمتد من السياسة إلى صميم الهوية والتاريخ.


ورغم مرور عام كامل على القرار، ظل السادس من أيار حاضراً بقوة في الذاكرة السورية، ليس عبر الزيارات التقليدية للأضرحة التي حالت الظروف الراهنة دون بلوغها، بل من خلال فضاء وسائل التواصل الاجتماعي الذي تحول إلى منصة بديلة لاستذكار المناسبة ورفض إلغائها. ملأت المنشورات والصور والتعليقات جدران السوريين الافتراضية، في إشارة واضحة إلى تمسك شعبي بالذاكرة الوطنية، وإصرار على إبقاء جذوة الوفاء متقدة رغم محاولات المحو الرسمي، لتظل تلك المساحات الرقمية شاهدةً على أن ما يُرفع عن التقويم قد يُثبته الوجدان إلى الأبد.