نبض سوريا - متابعة
كشف الأديب والكاتب منصور المنصور، في تحليله لحادثة اختطاف الفتاة بتول سليمان علوش وما رافقها من تطورات، إلى أن هذه الحادثة تجاوزت كونها جريمة فردية لتصبح مؤشراً على انعطافة خطيرة تمثلت في بروز ما يمكن وصفه بـ"الخطف الديني"، أي ذلك النمط من الاختطاف الذي يحمل أبعاداً عقائدية وطائفية واضحة المعالم.
واستند المنصور في تحليله إلى مجموعة من الوقائع المرافقة للحادثة، وأبرزها: نشر رسالة منسوبة للفتاة بطريقة مشبوهة، ثم بث مقطع فيديو ظهرت فيه مرتدية اللباس الشرعي تؤكد فيه ما ورد في الرسالة المذكورة، مدعية أنها "هربت لأجل دينها" وقامت بـ"هجرة لنصرة الدين".
أوضح المنصور أن بتول، من وجهة نظر الخاطفين ومنظومة الفكر التي يتحركون في إطارها، لم تعد مجرد فتاة ذات كيان مستقل، بل إن انتماءها الطائفي هو ما حدد موقفهم منها، فبما أنها تنتمي، وفق هذا المنطق، إلى طائفة توصف بأنها "كافرة" أو "خارجة عن الدين الصحيح"، يصبح ما يُسمى بـ"تحويلها" إلى المذهب السني عملاً يُقدم على أنه "نصرة للإسلام" و"هداية لها"، بل إنه وفق هذه العقلية يتحول إلى فعل يُثاب عليه فاعله.
وتابع الكاتب "وهكذا، تجري إعادة تعريف الفتاة بالكامل، إذ يُمحى تاريخها وهويتها الأصلية، وتُحوَّل من إنسانة لها تاريخها وحياتها الخاصة إلى مجرد "قصة هداية"، وأداة دعائية تخدم مشروعاً عقائدياً يهدف إلى إثبات "صحة" رؤيته".
ورأى المنصور أن الرسالة المزعومة، بغض النظر عن مدى صحتها نسبياً، تعكس بوضوح عقلية الخاطف وخلفيته الفكرية، فالنص الذي تقوله: "طلعت من البيت هاربة لأجل ديني" و"لأنني أسلمت ولله الحمد"، يحمل دلالة ضمنية مفادها أنها – من وجهة نظر الخاطف – لم تكن مسلمة قبل هذا "الهروب"، رغم أنها تنتمي أصلاً إلى أسرة سورية مسلمة علوية، وفق التعريف القانوني والاجتماعي والديني العام.
وخلص المنصور إلى أن هذه الحادثة تكشف عن بعد عقائدي خطير يقوم على إعادة تعريف الناس دينياً وطائفياً وفق رؤية سلفية إقصائية، تصنف المكونات السورية الأخرى على أنها "جماعات ضالة" أو "كافرة" تحتاج إلى "تصحيح العقيدة".
حادثة الاختطاف حسب منصور تتجاوز حدود الجريمة الجنائية التقليدية، لأن الفتاة لم تُختطف لكونها فرداً، بل لانتمائها إلى جماعة دينية بعينها وهذا التحول، في تقديره، يجعل من الحادثة فعلاً سياسياً-دينياً بامتياز، حيث يتحول الاختطاف إلى رسالة موجهة إلى جماعة بأكملها، طائفة كاملة، مضمونها: "نحن نملك القدرة على انتزاع بناتكم من الشوارع وتغيير عقائدهن"، وهكذا، تتجاوز الجريمة أبعادها الجنائية التقليدية لتصبح أداة ضغط وإخضاع طائفي.
وأشار المنصور إلى أن استخدام الدين في هذا السياق يتحول إلى أداة لتبرير العنف ومنحه شرعية أخلاقية زائفة، فالخاطفون، وفق هذا المنطق، لا يرون أنفسهم مجرمين، بل منفذين لـ"إرادة مقدسة"، وهذا، في تقديره، يشكل مكمن الخطر الحقيقي في التحول الذي نشهده في مسلسل خطف النساء، إذ يتحول الإيمان من تجربة روحية حرة إلى أداة إخضاع وقسر وبذلك يفقد الدين معناه الأخلاقي، ويتحول إلى جهاز قوة أشبه بالسجن منه بالهداية.
حمل الكاتب السلطة المسؤولية الكاملة عن هذه الحادثة، ليس فقط بسبب فشلها في حماية الفتيات، بل لأنها سكتت عن حالات خطف سابقة، وعملت في كثير من الأحيان على تمييع القضية وفبركة روايات بديلة، عبر الادعاء بأن جميع حالات الخطف ليست سوى "قصص حب" أو "حالات هروب عاطفي"، وفق ما زُعم في حوادث سابقة.
وأضاف أن الطريقة التي تصرف بها الخاطف تكشف عن شعوره بالأمان الكامل، وكأنه يعلم مسبقاً أن لا أحد يحاسبه، بل يذهب المنصور إلى طرح تساؤلات حول احتمال وجود تواطؤ أو تسهيل من داخل الجامعة نفسها في عملية الخطف ومع ذلك، يؤكد أن الأمن العام لم يتحرك، كما لم يتحرك سابقاً، وأن أجهزة السلطة الأخرى لم تبد أي استجابة حقيقية تتناسب مع خطورة ما جرى.
واختتم الكاتب مقاله بالقول" إن السلطات الشمولية، سواء كانت سياسية أم دينية-سياسية، تبدأ دائماً بتجريد الإنسان من فرديته وتحويله من ذات مستقلة إلى "وظيفة" داخل مشروع أيديولوجي أكبر، وهكذا، لم تعد بتول في نظر هؤلاء إنسانة لها تاريخها وحياتها وهويتها الخاصة، بل تحولت إلى "قصة هداية" وأداة دعائية. وهذا يمثل خطراً لا يقتصر على الفتاة وحدها، بل يمتد ليشكل تهديداً للنسيج الاجتماعي برمته، وللمعنى الأخلاقي للدين ذاته.