نبض سوريا - خاص
صرّح رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي بأنه يريد "المضي قدمًا في التعاون مع سوريا"، معتبراً أن "سوريا دولة جارة" ومن المهم أن يكون معها تعاون اقتصادي، ومؤكداً وجود زيارة قريبة للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، هذا التصريح لا يُقرأ بمعزل عن حراك دبلوماسي أوسع، تكشف خيوطه عن إعادة هندسة إقليمية عميقة.
فالزيارة المرتقبة للزيدي إلى واشنطن تتزامن مع وجود وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني هناك، وسط أنباء عن احتمال مشاركة رئيس حكومة لبنان في هذا التوقيت الحساس، هذا التزامن ليس مصادفة، بل هو إعلان عن انطلاق مرحلة جديدة من المشروع الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: تفكيك "الهلال الخصيب الإيراني" عبر توجيه عناصر مناهضة لطهران من داخل دوله السابقة.
السؤال الاستراتيجي: إن أُخرجت إيران من العراق وسوريا، فأين موقعها في لبنان؟
لسنوات، وحّدت طهران الساحات الثلاث – العراق وسوريا ولبنان – في مشروع جيوسياسي وأمني متكامل، عُرف إعلامياً بـ"الهلال الخصيب"، هذا المشروع وفّر لإيران عمقاً استراتيجياً يصلها بالمتوسط، وخطوط إمداد برية للأحزاب المسلحة، وأوراق ضغط تفاوضية.
ما يحدث الآن هو عملية فك منهجية لهذا الهلال، بدأت من سوريا عبر إخراج النظام السابق، وتستكمل في العراق عبر تغيير طبيعة الحكم، ويبدو أن المحطة التالية هي لبنان ،السؤال هنا ليس "هل ستخرج إيران؟" بل "كيف سيُعاد تعريف نفوذها؟" وما هي الأدوات التي ستُستخدم لإكمال الحلقة اللبنانية بعد ضبط الحلقتين السورية والعراقية؟
زيارة الزيدي: تشابه مع زيارة الشرع... واختلاف في التوقيت
تشير التوقعات إلى أن زيارة الزيدي للبيت الأبيض ستكون شبيهة بزيارة الشرع العام الفائت من حيث الشكل والهدف: ترسيخ صورة قائد قادر على ضبط الدولة والتعاون مع واشنطن، لكن خلف هذه الترتيبات، هناك قضية أعمق.
الزيارة المزدوجة (الزيدي والشيباني، وربما رئيس حكومة لبنان) لا تصنع بالضرورة "محوراً منتصراً للسلام"، بل تُرسي عقداً أمنياً-اقتصادياً لإدارة التبعية، الهدف الأمريكي ليس تحرير هذه الدول، بل توجيهها كعناصر مناهضة لإيران، لمحاولة إنهاء وجودها المؤثر في المنطقة، وبالتدريج فرض السيطرة على الحدود بما يحد من وصول الفصائل الموالية لطهران إلى مناطق شرق سوريا، مع الإبقاء على مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية كغطاء إعلامي وسياسي جاهز للاستخدام كلما دعت الضرورة.
لماذا الزيدي وليس السوداني؟... أدوات الإدارة الأمريكية
من الواضح أن المهمة المطلوبة من الجانب العراقي لم تكن وليدة اللحظة ،فبحسب المعلومات المتاحة، كان رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني قد حُضّر لنفس الدور، لكن ثمة ما جعل إدارة المخابرات الأمريكية تلمس عجزاً في التنفيذ، أو عدم قدرة على تقليص النفوذ الإيراني بالسرعة المطلوبة، أو ربما فشلاً في تقويض عمل الفصائل المسلحة بالشكل الذي يرضي واشنطن.
هنا يأتي الزيدي، الذي لم يأخذ تدريبه وقتاً طويلاً، لأنه ليس قائداً أيديولوجياً، بل تكنوقراط أمني قادر على لعب دور "الوسيط المزدوج": يطمئن إيران ببقاء مصالحها الاقتصادية، ويُرضي واشنطن بضبط الحدود الأمنية ومحاربة داعش وتقليم أظافر المجاميع المسلحة غير المنضبطة، إنها عملية استبدال أداة بأخرى داخل الآلة نفسها، وليس تغييراً في طبيعة الآلة.
الوجهة واحدة: الشرع والزيدي في خدمة أجندة تمتد إلى إسرائيل
الشرع والزيدي اليوم في وجهة واحدة، لكنها ليست وجهة سيادة وطنية أو استقلال قرار، إنهما ينفذان أجندة أمريكية، غايتها الاستراتيجية كسر القوس الإيراني من طهران إلى المتوسط ،هذه الأجندة تخدم بشكل مباشر المصالح الإسرائيلية التي لطالما اعتبرت "الهلال الخصيب" تهديداً وجودياً، فإسرائيل لا تكتفي بضرب أهداف إيرانية في سوريا، بل تحتاج إلى نظام حكم في دمشق وبغداد يضمن ألا تُستخدم أراضيهما مجدداً لتهديدها، سواء عبر الفصائل المسلحة أو عبر أنفاق تهريب السلاح.
في هذا السياق، زيارة الزيدي واجتماعاته المرتقبة ليست مجرد ترتيبات أمنية، بل هي توقيع على إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، بحيث تصبح دول المواجهة السابقة "دولاً أمامية" في إدارة التهديدات، تابعين في قرارهم الاستراتيجي للمركز الإمبراطوري، مع سيادة شكلية تسمح لهم بتوقيع العقود وإعادة الإعمار.
لبنان... الحلقة الأضعف والأخطر
إذا كانت إيران قد أُخرجت فعلياً من إدارة القرار في سوريا والعراق، فإن موقعها في لبنان يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ،لبنان هو نقطة الارتكاز الأخيرة للمشروع الإيراني على المتوسط، عبر حزب الله، الذي لا يزال يمثل قوة عسكرية وسياسية ضاربة، مشاركة رئيس حكومة لبنان في التوقيت نفسه مع الزيدي والشيباني تشي بأن الضغطة التالية ستكون على بيروت.
المسعى الأمريكي-الإسرائيلي لن يكتفي بضرب قدرات الحزب العسكرية، بل سيسعى إلى إعادة إنتاج نظام لبناني يضمن تحييده، وربما تحويله تدريجياً إلى حزب سياسي منزوع السلاح، من خلال تفاهمات اقتصادية وأمنية تُبرم تحت شعار "إنقاذ لبنان" ،وكما حصل في العراق وسوريا، ستُقدم الحلول الأمنية-الاقتصادية كطوق نجاة، وكل من يقبل بها سيُمنح شرعية الحكم، وكل من يرفضها سيوضع في خانة الفوضى والإرهاب.
خلاصة: التبعية المُدارة كبديل عن الحروب الشاملة
ما يتشكل ليس "شرق أوسط جديداً" مزدهراً، بل نظام تبعية مُدارة أكثر كفاءة، حيث تتحول دول الهلال الخصيب السابق إلى شبكة أسواق أمنية وطاقية ،إيران لن تختفي كلياً، لكنها ستُجبر على التحول من قوة عسكرية تحررية إلى شريك اقتصادي في الظل، يعمل ضمن سقف المصالح الأمريكية-الإسرائيلية، إلى تتغير المعادلة على الأرض وتعيد رسم نفوذها وفق شراكات قد تفتحها تركيا مع الجانب السوري.
الشرع والزيدي ومن سيأتي من لبنان هم أدوات هذه المرحلة: ليسوا خونة ولا أبطالاً، بل "مدراء تنفيذيون" لإعادة ضبط الإقليم بعد سنوات من الفوضى الخلاقة ،وفي هذا السياق، إخراج إيران من ساحتَي العراق وسوريا لا يعني نهاية اللعبة، بل يعني أن موقعها في لبنان هو المعركة الأخيرة قبل اكتمال فصول المشروع.