نبض سوريا - متابعة
تتسارع وتيرة الحراك الدبلوماسي الأميركي في المنطقة وفق مسار لا يخلو من المفارقات القاسية، حيث تراهن واشنطن على رئيسين تأثرا بشخصية صدام حسين وفلسفته، هما السوري أحمد الشرع والعراقي علي الزيدي، في وقت بات فيه الرئيس السوري أسير اشتراطات أميركية تدفعه نحو التورط في لبنان تحت طائلة العقوبات، في مشهد تكشف خيوطه الخفية أن الإدارة الأميركية ونظيرتها التركية هما من يحركان قطع الرقعة من خلف الستار، بينما يُمنح القادة المحليون دور اللاعب المكشوف على الواجهة.
وبحسب ما كشفه قسم الأبحاث في مركز بابل للدراسات والأبحاث، فإن تحليلاً صدر يوم السادس من يونيو الجاري يصف رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي بأنه "يحاول تقليد صدام حسين حتى في اختيار كلماته وعباراته وتصرفاته"، فيما كان كبير مستشاري المركز قد أجاب عن تساؤلات شغلت الرأي العام العربي حول زيارة أحمد الشرع لواشنطن في العام الفائت، بقوله إن الرئيس السوري سيعود منها ليكون "صدام حسين عام 1980".
وفي الحالة السورية تحديداً، كشفت معلومات استخباراتية أن واشنطن وضعت على طاولة أحمد الشرع سلسلة مطالب لم تكن خافية على أحد، طُلب منه أولاً تقديم ضمانات أمنية لإسرائيل وإبعاد المجاميع المسلحة الموالية لطهران عن الجنوب السوري ،وثانياً، تسهيل بقاء الوجود العسكري الأميركي تحت مسميات لوجستية واستشارية في الشرق السوري ،وثالثاً، فتح المجال الجوي السوري بالكامل أمام الطيران الأميركي والإسرائيلي، لكن الشرط الأخطر، والذي كان مفتاح رفع وصف "الداعمة للإرهاب" عن سوريا ورفع العقوبات الاقتصادية، تمثل في مطالبة واشنطن للشرع بمحاربة حزب الله في لبنان.
ويضع هذا الشرط رئيس الحكومة الانتقالية في مأزق وجودي، إذ يظهر حجم التورط الذي سيقع فيه، خصوصاً في ظل الرفض التركي القاطع لأي تدخل سوري في العمق اللبناني، فأنقرة التي تتقاسم مع واشنطن إدارة المشهد السوري من الغرف المظلمة، ترى في حزب الله ورقة توازن إقليمي لا يمكن التضحية بها، بينما تدفع الإدارة الأميركية بالشرع نحو مواجهة مباشرة قد تحوله إلى أداة استنزاف لطهران وحلفائها، متجاهلةً أن اللاعب المعلن في القصر الجمهوري بدمشق ليس سوى واجهة لقرار يُصنع في عواصم أخرى.
وفي ذروة هذا التصعيد، تتداول دوائر الموالين للشرع في سوريا ولبنان خطاباً يمجّد شخصيته باعتباره "أسد العرب" القادر على ترويض الفوضى، مروجين لنموذج حكم مستلهم من قاموس الرئيس الأسبق صدام حسين، غير أن هذا التمجيد يغض الطرف عن حقيقة أن الرئيس السوري لا يسيطر على قراره السيادي، بل ينفذ أجندة مزدوجة أميركية-تركية.
أما على الجانب العراقي، فينفرد مركز بابل للدراسات والأبحاث بطرح معلومات خطيرة، مفادها أن دولة الإمارات العربية المتحدة خصصت تريليون دولار أميركي لدعم حكومة علي الزيدي، بهدف إطلاق مشروع سياسي يقود إلى تغيير جذري في بغداد.
وتستند الخطة، حسب المركز الذي يستند إلى مصادر رفيعة المستوى وعلى درجة عالية من السرية، إلى إشعال احتجاجات شعبية واسعة تشبه ثورة تشرين، لكنها مصممة هذه المرة على غرار "الثورة البرتقالية" الأوكرانية، وتتخذ من محاربة الفساد المالي ذريعة لضرب أركان الطبقة الحاكمة.
ويرى التقرير أن الزيدي بعدها سيصبح "زيلينسكي العراق" في مواجهة إيران، مقلداً بذلك إنتاج الثورة البرتقالية لزيلينسكي أوكرانيا بوجه روسيا، في مخطط أميركي لإطالة أمد الأحادية القطبية وعرقلة صعود التعددية الدولية.
ولم تغب الترتيبات الأمنية المشبوهة عن هذا المسرح، فبينما يُعدّ لزيارة علي الزيدي إلى واشنطن يوم الأربعاء منتصف يوليو، والتي ستُحاكي بترتيباتها ومضمونها ونتائجها السياسية زيارةَ أحمد الشرع العام الماضي، تشهد الحدود السورية-العراقية تحركات مكثفة، ويجري العمل على إنشاء بنية تحتية سرية في معبر التنف لخدمة القاعدة العسكرية الأميركية المستخدمة حالياً من قبل إسرائيل، وقد تزامن ذلك مع زيارة قائد حرس الحدود السوري حسن عبد الغني لمنطقة القائم ولقائه نظيره العراقي محمد عبد الوهاب سكر، حيث غُلف اللقاء ببحث "ضبط الحدود وتبادل المعلومات الأمنية"، بينما هو في العمق توطئة لدمج البلدين في "حلف مكافحة الإرهاب" الذي تروج له واشنطن كبديل عن الانضمام إلى الناتو.
وفي ختام هذا المشهد المركب، يأتي التطابق الزمني بين زيارتي وزير خارجية الشرع أسعد الشيباني ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن ليؤكد أن البيت الأبيض يتعامل مع دمشق وبغداد بوصفهما جبهة واحدة ضمن استراتيجية إعادة التموضع الإقليمي. ففي الوقت الذي يُفترض أن يصل فيه الشيباني إلى العاصمة الأميركية في منتصف شهر يوليو لمناقشة ملفات أبرزها الوفاء بالشرط اللبناني واستكمال تفكيك إرث التحالف مع طهران، سيكون الزيدي على بعد أيام قليلة من دخول البوابة نفسها يوم الأربعاء الخامس عشر من الشهر ذاته، حاملاً معه مطالب انسحاب قوات التحالف وحصر السلاح بيد الدولة، وكأن الزيارتين تشكلان وجهين لعملة واحدة.
ويخلص مراقبون إلى أن واشنطن، ومعها أنقرة وأبوظبي من خلف الكواليس، لا تتعامل مع الشرع والزيدي بصفتهما رئيسين لدولتين مستقلتين، بل كأداتي تنفيذ متزامنتين في سيناريو معدّ بعناية، حيث يكمّل العراقي ما بدأه السوري، وتشتعل ساحات الضغط على إيران وحلفائها من البوابة اللبنانية شرقاً إلى خاصرة طهران غرباً، في حلقة متصلة عنوانها العريض إطالة أمد القطبية الواحدة وإجهاض أي حلم بشرق أوسط متعدد الأقطاب.