النفاق الغربي في سوريا..
الديمقراطية كانت ذريعة لتغيير النموذج الاقتصادي لا النظام السياسي

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة

يرى المحلل الجوسياسي السوري كيفورك ألماسيان أن ما يجري اليوم في سوريا يكشف عن النفاق الغربي بأبشع صوره، إذ يتساءل: إذا كانت الحكومات الغربية قد أمضت خمسة عشر عاماً من الحرب والعقوبات تحت شعار "الانتقال الديمقراطي" و"حق السوريين في اختيار قادتهم عبر صناديق الاقتراع"، فكيف يُعقل أن يحتفي إيمانويل ماكرون اليوم بـ"سوريا الجديدة" التي يقودها رجل لم يصل إلى الحكم عبر أي انتخابات، بل عبر الانقلاب العسكري ثم الاعتراف الغربي الفوري؟


واشار  ألماسيان إلى أن هذا التناقض الصارخ يفضح حقيقة كبرى: الديمقراطية لم تكن يوماً الهدف الحقيقي للغرب، بل كانت مجرد ذريعة لتغيير النموذج الاقتصادي لا النظام السياسي. فطوال 15 عاماً، كان الغرب يردد أن بشار الأسد فقد شرعيته لأنه لا يستند إلى إرادة الشعب، وكان يربط أي تطبيع بضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة وإصلاح دستوري وتعددية سياسية، لكن اليوم، وفي غياب أي استحقاق انتخابي أو إصلاح حقيقي، يقف الرئيس الفرنسي إلى جانب أبو محمد الجولاني كشريك شرعي، متجاهلاً أن هذا الأخير لم يخض أي سباق ديمقراطي، وأن مؤسسات الدولة السورية لا تزال بعيدة كل البعد عن معايير السيادة والقضاء المستقل التي كان الغرب يفرضها سابقاً.


ويؤكد المحلل أن المعايير الغربية ليست ثابتة بل مرنة وفقاً للمصالح، وما إن أبدى الجولاني استعداده لتحويل سوريا إلى "منصة استثمارية" وممرات تجارية وبيئة جاذبة لرأس المال الأوروبي والخليجي، حتى اختفت فجأة لغة "الانتخابات" و"التعددية" و"استقلال القضاء" من الخطاب الغربي، لتحل محلها لغة "إعادة الإعمار" و"الشراكات الاقتصادية" و"الاندماج في النظام الدولي"، وهذا يثبت أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الديمقراطية فقط، بل في وجود دولة تمتلك سيادة اقتصادية تمكنها من رفض الإملاءات الخارجية، كما حدث عام 2008 عندما رفضت دمشق مشروع خط أنابيب الغاز القطري الذي كانت ترعاه واشنطن وباريس.


ويخلص ألماسيان إلى أن استقبال الغرب للجولاني اليوم لا يعني أنه أصبح أكثر ديمقراطية من سلفه، بل يعني أنه أكثر انسجاماً مع الرؤية الاقتصادية النيوليبرالية التي تريد تحويل سوريا إلى سوق استهلاكية وعبور للممرات، بدلاً من أن تكون دولة ذات قرار سيادي.


واضاف ان "سوريا الجديدة" ليست أكثر حرية، بل أكثر انفتاحاً على التبعية الاقتصادية التي ستُفقدها تدريجياً سيادتها، وهو ما يفسر لماذا أصبح ماكرون والجولاني اليوم على منصة واحدة، رغم أن الجولاني لم يأتِ عبر صندوق الاقتراع.


ويختم ألماسيان بالقول إن النفاق الغربي في سوريا طيلة 15 عاما  لم يكن أبداً من اجل الديمقراطية، بل من اجل إعادة رسم خريطة النفوذ والثروة في المنطقة، والدليل أن المعايير نفسها التي أُسقط بها نظام الأمس، أصبحت فجأة مرنة جداً مع نظام اليوم، لأن الأخير وافق على فتح الأسواق وإن لم يفتح المجال للانتخابات.