نبض سوريا - متابعة
لا يبدو أن رسو الفرقاطة التركية "تي سي جي إسطنبول" في ميناء اللاذقية، برفقة قائد القوات البحرية التركية الأميرال أرجومنت تاتلي أوغلو، مجرد خطوة عسكرية روتينية أو استعراض قوة تقليدي، بل يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر، فتوقيت الزيارة، التي تعد الأولى من نوعها منذ عام 2011، يتزامن مع مرحلة تشهد إعادة رسم موازين القوى على الساحل السوري، وسط نقاشات متواصلة بشأن مستقبل الوجودين الروسي والتركي، وتطورات إقليمية متسارعة تتداخل فيها حسابات موسكو وأنقرة وواشنطن وتل أبيب.
وتأتي هذه الزيارة في وقت تعيد فيه روسيا ترتيب وجودها في قاعدتي طرطوس وحميميم، وتبحث مع دمشق آفاق تطوير التعاون العسكري واللوجستي، بينما تتزايد التحليلات حول مستقبل النفوذ في الساحل السوري وإمكانية تحوله إلى ساحة تنافس إقليمي.
وفي خضم هذه القراءات، برزت تفسيرات تربط التحرك التركي بمحاولات تثبيت حضور طويل الأمد في شرق المتوسط، في مقابل تقديرات تتحدث عن مساعٍ إسرائيلية للتأثير في المشهد السوري، وهو ما يفتح الباب أمام تباين واضح في تفسير أهداف التحركات الإقليمية على الأرض.
وفي سياق الجدل القائم، قدّم المستشار السياسي في الخارجية الروسية الدكتور رامي الشاعر قراءة مختلفة للمشهد في تصريح خاص لوكالة "نبض سوريا"، مؤكداً أن "العلاقات الروسية السورية مستمرة ولم تنقطع، وأن ما يجري تداوله بشأن مستقبل الوجود الروسي أو طبيعة التفاهمات الإقليمية لا يعكس، بحسب تعبيره، حقيقة ما يجري بين موسكو ودمشق".
وقال الشاعر في إجابة حول الأهداف والرسائل من وصول تعزيزات روسية إلى شواطئ سوريا، إن "من المستغرب هذا الاهتمام بوصول سفينة روسية إلى ميناء طرطوس، فالعلاقات الروسية السورية مستمرة ولم تنقطع، وجرت لقاءات بين القيادة السورية الحالية والقيادة الروسية في موسكو ودمشق، وتم الاتفاق على كل شيء فيما يخص العلاقات الاقتصادية والعسكرية، وبخصوص استخدام ميناء طرطوس والمطار بالقرب من اللاذقية."
وأضاف، أن "العلاقات تتطور على أساس المصلحة المشتركة، ومن المعروف أن روسيا بحاجة إلى استخدام الميناء والمطار لأغراض لوجستية تخدم الأسطول والسفن الروسية في البحر الأبيض المتوسط، كما يستخدم المطار أيضاً في الخدمات اللوجستية التي تحتاجها المشاريع الروسية في أفريقيا، بالإضافة إلى المشاريع المشتركة مع سوريا، والتي يعمل المختصون في البلدين على الاتفاق بشأنها بهدف الإسهام في إنعاش الاقتصاد الوطني السوري."
وفيما يتعلق بالوجود التركي في الساحل السوري، قال المستشار السياسي: "بخصوص التحرك التركي في اللاذقية، أفضل عدم استخدام مصطلح التحرك، بل الاهتمام من قبل تركيا والقيادة السورية بمشاريع مشتركة على الساحل السوري، وخاصة أن هناك خبرة غنية لتركيا، باعتبارها دولة مجاورة لسوريا، في إنعاش المناطق الساحلية، والجميع يعلم ذلك."
وحول الحديث عن الدور الإسرائيلي، أكد الشاعر: "أنا على ثقة تامة أنه لن يكون أي دور لإسرائيل في سوريا طالما أنها لم تنسحب من جميع الأراضي السورية التي تحتلها، بالإضافة إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة مبينا ان سوريا لن تتخلى عن ذلك أبداً، ولن تكون هناك أي علاقة جوار قبل تحقيق هذين الأمرين."
وتابع قائلاً: "لا يوجد أي تنسيق روسي تركي للتنافس أو لاستباق النفوذ الإسرائيلي في سوريا كما يحاول البعض تصوير ذلك، فروسيا وتركيا تحترمان السيادة السورية وخيار القيادة والشعب السوري في تحديد مع من يبنون علاقاتهم ويتعاونون، والقيادة السورية الحالية على مستوى عالٍ من المسؤولية يمنع أي أوهام بفرض نفوذ أو مصالح تتعارض مع إرادة ومصلحة الشعب السوري."
ونفى الشاعر ما يتم تداوله بشأن وجود طلبات إسرائيلية سابقة إلى موسكو للحد من النفوذ التركي في سوريا، قائلاً: "بخصوص ما يشاع أن إسرائيل طلبت من روسيا سابقاً الحد من النمو التركي في سوريا، فهذا غير صحيح بتاتاً، وإسرائيل لا تجرؤ أساساً على التوجه بطلبات إلى روسيا تمس سيادة أي دولة أو تتعلق بالتدخل في شؤونها الداخلية."
واختتم حديثه بالقول: "روسيا لم تكن يوماً تفكر باحتواء إسرائيل أو غيرها، ولمن لا يعلم فإن روسيا تقيم علاقاتها مع جميع دول العالم مع مراعاة ميثاق الأمم المتحدة وكيف يجب أن تُبنى العلاقات والتعاون بين الدول، واليوم العلاقات الروسية الإسرائيلية في أسوأ حالاتها، وخاصة بعد الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، واعتداءاتها في لبنان وسوريا، ومشاركتها الولايات المتحدة في الاعتداء على إيران."