لقاءات سرية وضربات علنية.. ما الذي اتفقت عليه سوريا مع "إسرائيل"؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة  

في مشهد يعكس تناقضاً لافتاً للعلاقة السورية - الإسرائيلية، تتواصل الضربات العسكرية في الوقت الذي تتسارع فيه اللقاءات الدبلوماسية السرية، في معادلة تطرح أكثر من سؤال حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس، وماذا تبقى من سيادة سوريا على أراضيها.


ففي 14 آب، أجرى وزير الخارجية السوري  في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني اتصالاً مع مدير الموساد رومان غوفمان، ناقشا خلاله الوجود العسكري التركي وبعد أربعة أيام، قصفت إسرائيل مطار أبو الظهور، وقال مكتب نتنياهو إن سوريا كانت على وشك خرق "وضع أمني قائم متفق عليه" بالسماح بانتشار تركي، وهو ما نفته دمشق وأنقرة.


قطعت دمشق الاتصال عقب الضربة، لكن بعد خمسة أيام فقط، التقى الشيباني غوفمان في الأردن برفقة رئيسي الاستخبارات، في لقاء قالت "سانا" إنه يهدف إلى وقف الضربات وإحياء مفاوضات الاتفاق الأمني.


لكن المفارقة أن الشيباني كان قد كشف، قبل الاجتماع، أن الجانبين توصلا مطلع العام إلى اتفاق "على الورق على كل شيء تقريباً"، يتضمن مناطق أمنية داخل الأراضي السورية، بينها منطقة عازلة لا تتواجد فيها سوى قوات الأمم المتحدة، ومناطق أخرى تختلف فيها مستويات الانتشار العسكري السوري.


 ورغم اجتماع "خفض التصعيد"، رصدت مصادر محلية، خلال ثلاثة أيام فقط، سبعة توغلات إسرائيلية على الأقل، ثم دخل وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى جبل الشيخ، معلناً أن قواته لن تنسحب من الجبل و"المنطقة الأمنية".


في قراءة للمشهد، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت أن ما يتم تداوله من تفاهمات أمنية بين سوريا وإسرائيل لا يندرج في إطار مسار سلام أو تطبيع، بل يأتي في سياق ترتيبات أمنية محدودة تهدف إلى احتواء التصعيد.


واشار شلحت إلى أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الترتيبات إلى فرض واقع ميداني جديد في الجنوب السوري، دون تقديم مقابل سياسي حقيقي لدمشق.


من جهته، شدد الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى على أن إسرائيل تتعامل مع الأراضي السورية كأرضٍ محتلة تمارس عليها السيادة، وهذا يطرح إشكالية كبيرة لأي اتفاق أمني، لأن الثقة بين الطرفين معدومة أساساً. 


واضاف مصطفى أن استمرار التوغلات الإسرائيلية بالتزامن مع المفاوضات يكشف أن إسرائيل تستخدم الورقة العسكرية كورقة ضغط لتحسين شروطها التفاوضية، وليس كعائق أمام الحوار.


ويرى المحلل السياسي ياسر نجار أن أي اتفاق أمني مع إسرائيل يعني عملياً أن جنوب سوريا أصبح جزءاً من المنطقة الأمنية الإسرائيلية، مع تقسيمها إلى مناطق (A، B، C) بمستويات مختلفة من التسليح والوجود العسكري السوري. 


وحذر نجار من أن هذا الترتيب قد يكرس واقعاً جديداً يحد من سيادة الدولة السورية على أراضيها، ويجعل الانسحاب الإسرائيلي مستقبلاً أكثر صعوبة.


أما مركز الجزيرة للدراسات، فيلفت في تحليل له إلى أن أي تقدم في المحادثات مع إسرائيل يبقى مشروطاً بوقف التوغلات العسكرية وتحديد جدول زمني ملزم للانسحاب الكامل والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، مشيراً إلى أن إدارة ترامب تمارس ضغوطاً على الطرفين بهدف تثبيت الوضع الأمني على الحدود، في خطوة قد تمهد، بحسب تقديرات إسرائيلية، لمسار تطبيع مستقبلي.


فيما انتقد سياسيون موقف الحكومة الانتقالية بوصفها تعمل على تبنى سياسة "الاسترضاء الممنهج" تجاه إسرائيل، تحت غطاء "تفادي الحرب" و"خفض التصعيد" فبينما يخرج المسؤولون بتصريحات عن اتفاق شبه مكتمل مع إسرائيل، يتواصل التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية دون أي رد فعل فعلي من الجانب الرسمي.


 واشاروا إلى أن هذه المفاوضات تجري برعاية الحكومة نفسها وبمشاركة مباشرة من رؤساء الاستخبارات، وكأن الأولوية ليست استعادة السيادة بقدر ما هي إدارة الاحتلال بآليات تفاوضية تضفي شرعية ضمنية على الوجود الإسرائيلي.


لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح حسب قولهم: من يضمن أن هذه التفاهمات لا تتحول إلى غطاء سياسي لترتيبات أمنية تكرس تقسيم سوريا وتحديد سيادتها، وأن ما يحدث ليس مجرد "تطبيع مرحلي" يُمارس تحت وطأة الضغوط، بينما الإسرائيليون يتحدثون علناً عن إعادة تشكيل الجنوب السوري حسب مصالحهم؟ متسائلين هل يمكن لأي حكومة أن تدّعي أنها تتفاوض من موقع قوة، بينما هي في الحقيقة تتفاوض تحت نيران الطائرات الإسرائيلية المتواصلة؟