نبض سوريا - خاص
أثار أحمد الشرع نقاشاً سياسياً وإعلامياً عندما تحدث عن لقاء جمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقال إنه مازحه بشأن اعتراف واشنطن بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، مقترحاً عليه، في سياق المزاح، أن يعطي إسرائيل ولاية نيوجيرسي بدلاً من الجولان، باعتبار أن الولايات المتحدة تملك نيوجيرسي، بينما لا تملك الجولان حتى تمنحه لدولة أخرى.
وبعيداً عن الأسلوب الساخر الذي اختاره الشرع، فإن الإشارة إلى نيوجيرسي لم تكن، على الأرجح، عشوائية؛ فالولاية تحمل وزناً سياسياً واقتصادياً مهماً داخل الولايات المتحدة، كما أن تاريخها الانتخابي خلال العقود الثلاثة الماضية يجعلها مثالاً واضحاً على ولاية تميل إلى الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية.
لماذا نيوجيرسي تحديداً؟
تقع نيوجيرسي في شمال شرق الولايات المتحدة، بين اثنين من أهم المراكز الأميركية، نيويورك وفيلادلفيا، وهي من الولايات ذات الكثافة السكانية والاقتصادية المرتفعة، وتمتلك 14 صوتاً في المجمع الانتخابي.
أما سياسياً، فقد أصبحت نيوجيرسي منذ عام 1992 ولاية تميل بصورة واضحة إلى المرشحين الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية. فمن بيل كلينتون، مروراً بآل غور وجون كيري وباراك أوباما وهيلاري كلينتون وجو بايدن، وصولاً إلى كامالا هاريس في انتخابات 2024، لم ينجح أي مرشح جمهوري في الفوز بالولاية منذ انتخابات عام 1988.
ترامب حصل بالفعل على نسبة كبيرة من أصوات سكانها، لكنه لم يحصل على الأغلبية. ففي انتخابات 2016 فازت هيلاري كلينتون بالولاية، وفي 2020 فاز جو بايدن، وفي انتخابات 2024 فازت كامالا هاريس بنحو 51.97% مقابل نحو 46.06% لترامب. وكانت نتيجة 2024 أقرب بكثير من نتائج انتخابات رئاسية سابقة.
وبالتالي، فإن العبارة التي استخدمها الشرع تستند إلى حقيقة سياسية عامة، وهي أن نيوجيرسي لم تمنح أصواتها في المجمع الانتخابي لترامب في الانتخابات الرئاسية التي خاضها، لكنها لا تعني أن سكان الولاية جميعاً ديمقراطيون أو أن ترامب لا يمتلك قاعدة انتخابية كبيرة فيها.
الأهم في كلام الشرع ليس نيوجيرسي بحد ذاتها، وإنما المقارنة التي أراد إقامتها بينها وبين الجولان.
فالرسالة التي حملتها العبارة يمكن اختصارها بفكرة سياسية وقانونية: لا تستطيع دولة أن تمنح دولة أخرى أرضاً لا تملكها. ومن هنا جاء استخدام نيوجيرسي كمثال ساخر؛ فإذا كانت الولايات المتحدة تريد، افتراضياً، منح أرض أميركية لإسرائيل، فإن الحديث سيكون عن أرض تقع ضمن سيادتها، أما الجولان فهو أرض سورية احتلتها إسرائيل عام 1967 وضمتها من جانب واحد عام 1981، في خطوة لم تحظ باعتراف دولي واسع.
وبهذا المعنى، حاول الشرع تحويل قضية معقدة في القانون والسياسة الدولية إلى مقارنة بسيطة يفهمها الجمهور الأميركي: إذا كان من غير المتصور أن يتصرف رئيس دولة بأراضي دولة أخرى كما لو كانت ملكاً له، فإن الاعتراض السوري على قرار الاعتراف الأميركي يقوم على المبدأ نفسه.
ولكن... هل تصلح قضية الجولان للمزاح؟
هنا تظهر زاوية أخرى للنقاش.
فالجولان بالنسبة للسوريين ليس مجرد ملف دبلوماسي أو نقطة خلاف بين دمشق وواشنطن وتل أبيب، وإنما قضية سيادة وأرض وتهجير واحتلال امتدت لعقود. ولذلك يمكن النظر إلى استخدام المزاح في تناول القضية بطريقتين مختلفتين.
الأولى ترى أن السخرية السياسية أداة دبلوماسية معروفة، وقد تكون أكثر قدرة من اللغة الرسمية الجامدة على إيصال رسالة مباشرة إلى رئيس مثل ترامب، المعروف باستخدامه لغة غير تقليدية في السياسة. ووفق هذه القراءة، لم يكن الهدف التقليل من شأن الجولان، وإنما الاعتراض على الموقف الأميركي بطريقة مختصرة ولافتة.
أما القراءة الثانية، فترى أن القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية والاحتلال تحتاج إلى لغة أكثر جدية، خصوصاً عندما تصدر عن مسؤول يمثل الدولة السورية، لأن الكلمات في العلاقات الدولية لا تبقى دائماً في إطار المزاح، بل تتحول إلى تصريحات مسجلة يمكن تفسيرها واستخدامها سياسياً وإعلامياً.
نيوجيرسي والمفارقة الانتخابية
اختيار نيوجيرسي يضيف بعداً ساخراً آخر إلى العبارة. فالولاية لم تمنح ترامب أصواتها في المجمع الانتخابي في 2016 أو 2020 أو 2024، رغم تحسن أدائه فيها بصورة واضحة في الانتخابات الأخيرة.
ومن هنا يمكن فهم منطق المزحة: إذا كانت هناك ولاية أميركية لا تمنح ترامب أصواتها، فلماذا لا «يعطيها» لإسرائيل بدلاً من الاعتراف لها بأرض سورية؟
بالطبع، هذا افتراض ساخر لا يمتلك أي أساس دستوري أو واقعي، فالرئيس الأميركي لا يستطيع ببساطة «منح» ولاية أميركية لدولة أجنبية. لكن هذا تحديداً هو جوهر المفارقة التي أراد الشرع استخدامها: كما يبدو منح نيوجيرسي لإسرائيل أمراً غير قابل للتصور، فإن سوريا ترى أن الولايات المتحدة لا تملك أساساً حق التصرف بالجولان.
بين العبارة الساخرة والموقف السياسي
في النهاية، يمكن قراءة حديث أحمد الشرع عن نيوجيرسي باعتباره محاولة لاستخدام الفكاهة السياسية لتقديم موقف سوري تقليدي من قضية الجولان بلغة مختلفة.
لكن قيمة التصريح لا تكمن في الطرفة نفسها بقدر ما تكمن في السؤال الذي يطرحه خلفها: أين تنتهي قدرة القوة الدولية على الاعتراف بالوقائع التي تفرضها دولة أخرى بالقوة، وأين يبدأ مبدأ السيادة ووحدة أراضي الدول؟
أما نيوجيرسي، التي حضرت فجأة في نقاش يتعلق بالجولان، فهي لم تكن سوى أداة للمقارنة. ولاية أميركية ذات وزن اقتصادي وسياسي، تميل انتخابياً إلى الديمقراطيين منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولم يتمكن ترامب من الفوز بها حتى في انتخابات 2024، رغم تحقيقه فيها أفضل أداء جمهوري منذ سنوات طويلة.
وهكذا، تحولت جملة قيلت على سبيل المزاح إلى رسالة سياسية قابلة لأكثر من قراءة: بالنسبة لمؤيديها هي طريقة ذكية لتبسيط الاعتراض السوري على الموقف الأميركي، وبالنسبة لمنتقديها فإن قضية بحجم الجولان تستحق خطاباً أكثر جدية. وبين القراءتين تبقى المسألة الأساسية أكبر من المزحة نفسها: قضية أرض وسيادة وحدود ما تستطيع الدول الكبرى أن تمنحه أو تعترف به نيابة عن الآخرين.