نبض سوريا - متابعة
في مشهد غير مألوف في أروقة الدبلوماسية الدولية، تحولت مشاركة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك إلى مادة دسمة للنقد والتحليل، ليس فقط بسبب مضمون الخطاب السياسي الذي ألقاه، بل أيضاً بسبب ما رصدته كاميرات الإعلام من سلوكيات شخصية أثارت جدلاً واسعاً.
فبينما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يلقي كلمته، التقطت الكاميرات الشرع وهو يتصفح تطبيق "إنستغرام" على هاتفه المحمول، محاولاً تغطية الشاشة بيديه هذا المشهد، الذي تناقلته وسائل الإعلام العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي، أثار موجة من التعليقات الساخرة والانتقادات، متسائلةً عن مدى جدية الرئيس الانتقالي في تعاطيه مع القضايا المصيرية التي تناقشها الأمم المتحدة.
على الصعيد السياسي، جاءت تصريحات الشرع لتضيف طبقة أخرى من الجدل ففي جلسة حوارية بالمجلس الأطلسي على هامش الأمم المتحدة، تحدث عن استعداده لسلام دائم مع إسرائيل، مشترطاً " انسحاب اسرائيل الى المناطق التي كانت تحتلها وفق ترتيبات 1974 لكن المشكلة، بحسب المحللين، لا تكمن في الشرط بقدر ما تكمن في السياق فقد تزامنت هذه التصريحات مع استمرار إسرائيل في "قضم" الأراضي السورية في الجنوب، وهو ما يجعل هذه الدعوات للسلام تبدو وكأنها فصل آخر من الاعتراف بالأمر الواقع.
وفي حديثه عن أحداث 7 أكتوبر أعرب الشرع عن "تفهمه لما تعرض له بعض الأبرياء الاسرائليين" في ذلك اليوم، لكنه اعتبر أنه "من المستحيل أن تُبنى جميع السياسات على حدث واحد في التاريخ"، ويرى منتقدوه أن هذا التصريح يضرب بعرض الحائط بسنوات من الخطاب الرسمي السوري لنظام الاسد الذي ظل يدعم القضية الفلسطينية، مستبدلاً إياه بمنطق "إدارة الصراع" الذي يخدم أجندات خارجية.
وفيما يتعلق بأحداث 11 ايلول، واجه الشرع سؤالاً عن رأيه في تلك الهجمات جاء جوابه: " كنت صغيرا ولا اعرف شيئا " لكن هذا الرد سرعان ما تعرض للتناقض ففي تصريحات سابقة لمحاوره علي الظفيري على قناة الجزيرة قال إنه عند وقوع الأحداث كنت متأثر بالانتفاضة الفلسطينية وبعد سنة ونصف ذهبت إلى العراق، هذا التناقض الصارخ في روايته أثار تساؤلات حول مصداقية تصريحاته ومدى استعداده لتقديم إجابات صادقة أمام المجتمع الدولي.
"نيوجيرسي" بدل الجولان: مزحة مستوحاة من دبلوماسية الجعفري
لم تخلُ جلسة الشرع الحوارية في المجلس الأطلسي من محاولة لتخفيف وطأة التناقضات، إذ روى مزحة قال إنه أطلقها في وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، حين أثار الأخير موضوع اعترافه بـ"سيادة" إسرائيل على الجولان المحتل "فقال له مازحاً: لماذا لا تعطيهم نيوجيرسي؟ إن كنت حريصاً أن تعطي إسرائيل أرضا ليست ملكك ثم أضاف بابتسامة: "نيوجيرسي أعتقد للديموقراطيين ولا ينتخبون الرئيس ترامب، فلذلك جيد أن أعطيهم إياها".
غير أن المتأمل في هذه المزحة يجد أنها ليست من بنات أفكار الشرع فقبل نحو سبع سنوات، وفي جلسة طارئة لمجلس الأمن في 28 آذار/مارس 2019، كان مندوب سوريا الدائم بشار الجعفري يردّ على قرار ترامب بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، فسخر قائلاً: "فلتتنازل الإدارة الأمريكية عن ولاية أو اثنين للإسرائيليين، ولتكن كارولينا الجنوبية والشمالية مثلاً" ويبدو أن الشرع، الذي كان يومها يقاتل في إدلب بعيداً عن أروقة الدبلوماسية، استعار المزحة ذاتها بعد سبع سنوات، ليقدمها أمام ترامب وكأنها من ابتكاره، مع تغيير الولاية من كارولينا إلى نيوجيرسي.
والمفارقة أن هذه المزحة، بجانبها الساخر، تخفي إشكالية أعمق فبشار الجعفري أطلقها في سياق رفض مبدئي وإدانة كاملة لقرار ترامب، مؤكداً أن "الجولان أرض سورية محتلة" وأن القرار "لا قيمة قانونية له" أما الشرع، فجاءت مزحته في سياق مختلف تماماً؛ سياق يتحدث فيه عن "سلام دائم" و"حوار مباشر مع إسرائيل"، ويسرد تفاصيل "جلسات وجولات نقاش" مع الإسرائيليين .
الأغرب من ذلك أن الشرع، وهو يروي المزحة، لم ينسَ أن يذكر أن ترامب "وقف إلى جانب سوريا واتخذ قراراً تاريخياً برفع العقوبات"، وأنه يربطه به "علاقة خاصة" وكأن الجولان أصبح ورقة في يد "علاقة خاصة" مع الرئيس الأميركي، لا قضية سيادة وطنية.
وهنا يبرز السؤال: إذا كانت المزحة مستوحاة من الجعفري، فلماذا لم يستكمل الشرع النبرة التي أطلقها الجعفري؟ لماذا لم يقل، كما قال سلفه في مجلس الأمن، إن قرار ترامب "تصرف أحادي الجانب صادر عن طرف لا يملك الصفة القانونية ولا الأخلاقية"؟ الجواب بسيط: لأن الشرع لا يريد أن يصف ترامب بذلك، بل يريد أن يذكّره بصداقته، ويروي له النكات، ويأمل منه أن يمنحه ما تبقى من الشرعية الدولية.
المزحة إذن ليست مزحة إنها اعتراف مبطّن بأن سوريا الشرع، باتت تتعامل مع قضاياها السيادية بأسلوب "النكتة الدبلوماسية"، بينما تحتفظ إسرائيل بأرضها، وترسو السفن الروسية العسكرية في طرطوس، وتتقدم القوات التركية في الشمال وبين "كارولينا الجنوبية" و"نيوجيرسي"، ضاعت سوريا.
تناقض القواعد العسكرية: بين "لا حاجة" و"الوجود القانوني"
في خضم هذا الزخم من التصريحات برز تناقض صارخ آخر يتعلق بالوجود العسكري الأجنبي في سوريا، فقد أكد الشرع أمام المجلس الأطلسي أن "التوجه الحالي هو إخلاء سوريا من القواعد الأجنبية"، وأن "سوريا ليست بحاجة في المنظور القريب إلى قواعد عسكرية أجنبية" غير أن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة تماماً.
فبحسب تصريحاته نفسها، جرى الاتفاق مع روسيا على تقليص عدد القواعد الروسية من نحو 170 قاعدة إلى قاعدتين فقط، وهما قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية، على أن تتحولا إلى "قواعد تدريب لما يسمى الجيش السوري الحالي " لكن المفارقة تكمن في أن التقارير تؤكد أن سفناً حربية روسية استأنفت إمداد قاعدة طرطوس قبل أيام فقط من تصريحات الشرع فكيف يمكن الحديث عن "إخلاء" بينما لا تزال السفن الحربية الروسية ترسو في الميناء؟
أما بالنسبة للوجود العسكري التركي، فقد اعترف الشرع بأن "القوات التركية دخلت سوريا في ظروف تتعلق بالأمن الحدودي"، وأن "المناقشات مع تركيا مستمرة لتحديد الإطار القانوني الذي يحكم وجودها" هذا الاعتراف يأتي بعد أشهر من نفي وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني وجود أي نية لإنشاء قاعدة تركية في مطار أبو الظهور لكن تقارير أخرى تحدثت عن "وفود عسكرية تركية تتردد على دمشق" لإنشاء قواعد دائمة في مناطق مثل مطار الشعيرات وتدمر والسخنة.
بين تصريحات "لا حاجة لقواعد أجنبية" وواقع السفن الروسية في طرطوس والقواعد التركية في الشمال، يبدو خطاب السيادة وكأنه مجرد واجهة إعلامية لا تعكس حقيقة التوازنات على الأرض.
من جانبه انتقد الكاتب الصحفي السوري خالد وليد سرحان، خطاب الشرع، معتبراً أنه "لا يمثل إرادة الشعب السوري ولا يرتقي لتطلعاته"، ومشيراً إلى أن الشرع "لم يترجم وعوده إلى أفعال"واصفا تصريحاته بأنها تحمل قدراً كبيراً من الانهزامية والتنازلات".
أما ميشيل مردويو، وهو سياسي سرياني في السويد وعضو في التجمع المدني السويدي، فقد رأى في تحليل نشر على الموقع السويدي "بولتين" أن خطاب الشرع "لم يكن سوى محاولة لتجميل صورة نظام يواصل على الأرض سياسات قمعية ضد الأقليات العرقية والدينية، وعلى رأسها الشعب السرياني".
أما المحلل السياسي أحمد شيخو، فقد انتقد "غياب الموقف السوري الرادع تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة"، معتبرا نشر وزارة الخارجية خريطة لا تتضمن هضبة الجولان يمثل "سابقة خطيرة" ودليلا واضحا على تخلي الحكومة الانتقالية عن الجولان المحتل وهذا يتناقض مع تصريحات الشرع الذي يؤكد تمسكه بالارض.
يمكن القول إن مشاركة الشرع في الأمم المتحدة كشفت عن فجوة هائلة بين خطاب "السيادة" الذي يحاول ترويجه في المحافل الدولية، وبين الحقائق على الأرض من وجود عسكري أجنبي مستمر واستمرار لمعاناة السوريين فبينما كان يلعب "إنستغرام" في قاعة الأمم المتحدة، كانت السفن الروسية ترسو في طرطوس، والقوات التركية تعزز وجودها، وإسرائيل تقضم المزيد من الأراضي السورية وهو مشهد يلخص حالة القيادة التي تفضل النوم في العسل على مواجهة الحقائق المؤلمة.