نبض سوريا - متابعة
لا يمكن قراءة أنباء بحث الرياض ودمشق إرسال قوات سورية إلى اليمن بمعزل عن سياقها الإقليمي والداخلي، فما يُطرح ليس تعاوناً عسكرياً عادياً بين دولتين، بل مؤشر جديد على تحويل الدول المنهارة إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، وعلى استنزاف الشباب السوري في حرب ليست حربه.
واشنطن لا تعارض الخطوة لأنها تريد إضعاف «أنصار الله» من دون أن تتحمل كلفة الانخراط المباشر، والرياض تبحث عن قوات بديلة تخوض عنها المعركة، ودمشق - التي لم تتعافَ بعد من حرب أهلية مدمرة - يُطلب منها أن تفتح جبهة خارجية جديدة.
موقع "اكسيوس" كشف نقلا عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن السعودية وسوريا تبحثان إرسال قوات سورية إلى اليمن للمشاركة في الهجوم المضاد على حركة «أنصار الله». وبحسب المسؤولين، يدرس الرئيس السوري أحمد الشرع الأمر بجدية، لكنه لم يتخذ قراراً بعد.
وتجري المناقشات بصورة أساسية بين السعودية وسوريا، إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أُحيطت بها من جانب البلدين، ولا تعارض من حيث المبدأ هذه الخطوة، وفق المسؤولين الأميركيين.
وأضاف «أكسيوس» أن إرسال قوات سورية إلى اليمن قد يضفي بُعداً دينياً على الحرب ويؤدي إلى تفاقم الصراع. وقد تضم القوات مقاتلين إسلاميين سنّة أجانب شاركوا في التمرد ضد نظام بشار الأسد، ليقاتلوا «أنصار الله» الذين يتبعون المذهب الزيدي الشيعي.
وقال مسؤول أميركي إن مسألة إرسال قوات سورية إلى اليمن طُرحت خلال اجتماع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الانتقالي أحمد الشرع في الرياض في وقت سابق من هذا الأسبوع،وتريد السعودية من الشرع إرسال قوات لتعزيز القوات اليمنية، التي تتمتع بتدريب أقل مقارنة بـ«أنصار الله»، بحسب «أكسيوس».
ورغم أن الشرع لم يوافق بعد على القرار، قال المسؤول الأميركي إنه من المرجح جداً أن يوافق الرئيس السوري على الطلب السعودي.
من جانبها واشنطن حسب مسؤول امريكي لا تعارض إرسال قوات سورية إلى اليمن، مشيراً إلى أن الخطوة ستوفر دعماً إضافياً للعملية المدعومة من السعودية ضد «أنصار الله»، من دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى الانخراط بشكل كبير فيها.
ويعتقد مسؤولون في إدارة ترامب أيضاً أن نشر قوات سورية في اليمن سيعزز العلاقة بين حليفين للولايات المتحدة، هما السعودية وسوريا ،وقال مسؤولان أميركيان إن القيادة المركزية الأميركية تشاورت بشأن كيفية نشر القوات السورية في اليمن.
الى ذلك قال مصدر مطلع على المناقشات إن الجيش السوري قد يرسل بين 10 آلاف و20 ألف جندي إلى اليمن. والوحدات التي يجري بحث إرسالها هي الفرقة 90 قرب دمشق، والفرقة 84 المتمركزة في جنوب سوريا بالقرب من السويداء، والتي تضم آلاف المقاتلين الإسلاميين الأجانب الذين قدموا إلى سوريا خلال الحرب الأهلية للقتال ضد نظام الأسد، في إطار «هيئة تحرير الشام».
وبالتوازي، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي ومسؤول عسكري سوري أن دمشق تدرس بعناية تقديم مساعدة عسكرية للسعودية.
وأشار المصدران إلى أن الخيارات قيد الدراسة تشمل تقديم مساعدات دفاعية لحماية المملكة من الهجمات، أو نشر قوات بمهام هجومية لمساعدة القوات اليمنية المدعومة من السعودية في قتال «أنصار الله».
وذكر دبلوماسي سوري، أن دمشق تقف بقوة إلى جانب السعودية في مواجهة هجمات «أنصار الله»، لكن تركيز الحكومة ينصب في المقام الأول على الأولويات الداخلية، مثل التعافي من الحرب الأهلية التي مزقت البلاد.
وأضاف الدبلوماسي في بيان: «إذا طلبت السعودية أي تعاون عسكري أو تبادل للخبرات، فسيتم ذلك حصراً من خلال القنوات الرسمية وفي إطار الاتفاقيات الثنائية التي تنظم العلاقات بين بلدينا الشقيقين».
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد زار الرياض الثلاثاء والتقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ،وقال المسؤول الأميركي إن إمكان تقديم مساعدة عسكرية سورية للمملكة كان ضمن الأمور التي تناولتها المباحثات خلال الزيارة، مضيفاً أن السعودية قدمت أيضاً مساعدات مالية لسوريا، وقد يؤدي إبداء الدعم السوري إلى زيادة تلك المساعدات.
وقال الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، إتش إيه هيلير: «قيام سوريا الجديدة بإرسال أفراد بمهام دفاعية وبأعداد قليلة جداً إلى أقدس المواقع في العالم الإسلامي، إلى جانب تقديم الدعم الفني لتحييد الطائرات المسيّرة القادمة، سيحمل دلالات رمزية هائلة وإيجابية».
وأضاف: «لكن أي شيء يتجاوز ذلك، لا سيما فيما يتعلق بوجود قوات سورية على الأرض، أعتقد أنه سيكون اقتراحاً مختلفاً تماماً، وأعتقد أن دمشق ستتجنبه، بالنظر إلى الأولويات التي يتعين عليها التركيز عليها في سوريا».
وحذر المسؤول الأميركي من أن أي صراع بين الجيش السوري، الذي يتشكل من مختلف الفصائل التي كانت تضم كثيراً من المقاتلين الإسلاميين السنّة المتشددين والمقاتلين الأجانب، وبين «أنصار الله»، قد يحمل دلالات دينية مسببة للانقسام، وهو ما ترغب القيادة السورية وشركاؤها الغربيون في تجنبه.
وبحسب محليين عسكريين إذا مضى هذا الطرح إلى التنفيذ، فلن يجلب لليمن سلاماً، ولن يمنح سوريا تعافياً أو شرعية، بل سيضيف فصلاً جديداً إلى سجل الحروب بالوكالة، سوريا التي تحتاج إلى إعادة بناء جيشها ومؤسساتها وثقة شعبها، لا إلى إرسال 10 آلاف أو 20 ألف جندي إلى معركة بعيدة، ليست في وضع يسمح لها بأن تكون أداة في مشروع إقليمي لا تملك قراره ولا تحدد أهدافه.
واكدوا أن الحل في اليمن يجب ان يبقى سياسياً، لا بفتح جبهات جديدة مشيرين الى أن الأجدر لدمشق، أن تُغلق أبواب التدخل الخارجي، لا أن تفتح جبهة جديدة باسم التحالفات، لأن من يبحث عن التعافي من حرب أهلية لا يجوز أن يُصدّر أزمته إلى بلد آخر.