​الهلال السياسي... حين يُعلَن العيد ببوصلة التحالفات لا بالرؤية الشرعية

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - خاص 

في زمنٍ يختلط فيه الديني بالسياسي حتى في أكثر المناسبات روحانيةً، تحوَّل إعلان عيد الفطر في سوريا من مسألة فلكية تُحسم برؤية الهلال إلى مسرحٍ لصراعات النفوذ الإقليمي. فلم يعد السوريون ينتظرون خبر الفلكيين، بل يتتبعون تحركات الدبلوماسية ومواقف الحكومات، وكأن الهلال صار "ظلاً" لتصريحات الساسة بدل أن يكون علامةً على انتهاء الصيام.


من الهلال الإيراني إلى الهلال الخليجي


على مدى سنوات حكم نظام بشار الأسد، ارتبط إعلان العيد بتوافق دمشق مع طهران، كجزءٍ من تحالف "المحور المُقاوم"، حتى لو تعارض التوقيت مع دول الجوار العربي. كان الهلال هنا يُرفع مع شروق الشمس الإيرانية، بغض النظر عن الحسابات الفلكية. لكن مع تحسُّن العلاقات مع السعودية في فتراتٍ سابقة، تحوَّل التوقيت فجأةً إلى نسقٍ خليجي، وكأن العيد صار جسراً لعبور الأزمات السياسية، أو إشارةً لانفراجٍ مُؤقت.


الهلال المشظَّى في زمن الشرع

مع الرئيس المؤقت أحمد الشرع، ازدادت اللعبة تعقيداً. فالبوصلة لم تعد محددة الاتجاه، بل تتذبذب بين الرياض والدوحة وأنقرة. كل عيدٍ هو اختبار جديد لتحالفات السلطة: إن أعلنت مع السعودية، فقد تكون محاولةً للتقرب من الخليج، وإن انحازت لتركيا، فهي إشارةٌ لاستمرار التحالف مع أردوغان، وإن مال الميزان نحو قطر، فربما يكون الدعم المالي هو العامل الحاسم. 


لكن الشرع، كما يُقال، يحلم أن يتفق الجميع على يومٍ واحد، لا حباً في الوحدة الإسلامية، بل خوفاً من أن يُكشف ضعف نظامه وتبعيته لشبكة مصالح متضاربة.


لماذا صار العيد أداةً في يد الساسة؟


السبب الجوهري هو فقدان الشرعية المحلية. حين تضعف سلطة النظام داخلياً، يعوِّض ذلك بالاستنجاد بالخارج، حتى لو اضطر إلى توظيف المناسبات الدينية لتمرير رسائله.


 العيد هنا لم يعد مناسبةً لتجديد الإيمان، بل فرصةً لترميم التحالفات. فإعلانه مع دولةٍ دون أخرى يُشبه "غرد خارج السرب"، يكشف عن حجم الارتهان لتمويلٍ أو دعمٍ سياسي. حتى أن البعض يرى أن الأمر تحوَّل إلى نوعٍ من "المزايدة الروحية"، حيث تُقاس قوة النظام بقدرته على جعل الهلال يطلع من حيث يشاء!

 والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان الهلال يُرى اليوم بالتصريحات الإعلامية، فماذا تبقى من قدسيةٍ لهذا الدين في نفوس من يشهدون تحويله إلى ورقة مساومة؟ ربما يكون العيد الحقيقي هو اليوم الذي يعود فيه الهلال... هلالاً.