حكومة الترند… حين تلجأ السلطة إلى "النشترية والطائفيين" لتحويل البوصلة

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - خاص 

تواجه المجتمعات لحظات تختبر فيها قدرتها على الحفاظ على قيمها الأساسية، وخاصة حين تمر باضطرابات سياسية أو اجتماعية واسعة. وفي الحالة السورية، برز  هتاف مسيء طال الأمهات العلويات في شوارع بعض المدن، وهو خطاب لا يمكن وضعه ضمن إطار الاحتجاج، ولا يمكن اعتباره تعبيراً عن مظلومية أو عن تطلعات سياسية؛ بل هو نتاج مباشر لانحدار أخلاقي انفتح بابه منذ سنوات وسمح لتحريض طائفي خطير أن يصبح جزءاً من المجال العام.


هذا النوع من الشعارات لا يعكس غضباً سياسياً بقدر ما يعكس انهيار منظومة القيم التي يفترض أن تحكم أي حراك مدني. فمن يخرج ضد الظلم لا يشتم، ولا يطعن في الشرف، ولا ينسب الآخر إلى انتماءاته الطائفية لإسقاط شرعيته، والجملة التي تكررت في شوارع درعا ودمشق وحمص يوم أمس، والتي استهدفت الأمهات العلويات، ليست سوى تعبير عن مستوى من القذارة اللفظية عجزت معاجم اللغة عن إيجاد ما يصفه بدقة.


ولأن الأم السورية—مهما كان انتماؤها—تمثل قيمة وطنية واجتماعية عليا، فإن الإساءة إليها هي إساءة لكل السوريين بلا استثناء. نعم، لنا الفخر أن تكون أمّهاتنا سوريات… علوية أو سنية أو مسيحية. فالأم التي حاول البعض السخرية منها، هي ذاتها التي لو طُرق باب بيتها في أي قرية أو مدينة لبادرت بالاستقبال بـ"تفضلوا يا أمي" قبل أن تسأل هوية الزائر أو دوافعه. نساء يعرفن قيمة الكرامة، لا يشبهن شيئاً من الدياثة اللفظية التي ظهرت فجأة في خطاب بعض المدّعين.


ومع ذلك، تستمر بعض الجهات في توظيف هذه اللغة الساقطة كأداة سياسية جاهزة. وعندما تحاول حكومة ما تحويل البوصلة عن فشلها أو عجزها، فإن أول ما تلجأ إليه هو إثارة الغرائز عبر النشترية ولصوص الشعارات والطائفيين. وما حدث خلال الأيام الماضية ليس سوى نموذج جديد لهذه الآلية: تحويل المسيرات من منصات دعم الدولة ووحدة البلاد إلى ساحات لإطلاق شتائم تستهدف أمّهات ملايين السوريين، بما يقوّض أي خطاب وطني أو جامع.


لقد عرفت سوريا، قبل ما سُمّي لاحقاً بـ"مرحلة التحرير"، قدراً عالياً من التعايش بين طوائفها ومكوّناتها. كانت الخلافات السياسية موجودة، وكانت السجالات تتخذ أشكالاً مختلفة، لكن اللغة الطائفية لم تكن جزءاً من الثقافة العامة، ولا كان الانتماء الديني معياراً للإهانة أو الحكم على الآخر.


غير أن الرياح التي هبّت مع بدايات تلك المرحلة لم تُنتج مشروع تحرّر بقدر ما أسهمت في صناعة مستنقع من الشتائم والإهانات التي أصبحت لاحقاً مكوّناً ثابتاً في خطاب بعض القوى السياسية. وقد رعت جهات مرتبطة بما عُرف بـ"الحكومة الانتقالية" هذا الخطاب، غذّته وروّجت له، ووفّرت له منصات متعددة، حتى تحول إلى وسيلة دفاع سياسي عندما يتراجع حضورها أو تهتز شرعيتها.


هدف هذا النهج كان واضحاً: بناء حصن شعبي هشّ، قائم على الانفعال، ينهار فور ظهور لحظة وعي وطنية ترفض هذا المستوى من الانحطاط، وترى في الطعن بالكرامات خطراً مباشراً على وحدة المجتمع.



الهتاف المسيء الذي انتشر مؤخراً ليس حادثة معزولة، بل امتداد لمسار خطابي بدأ قبل سنوات طويلة. فالطعن بالأم، أيّاً كانت، ليس اختلافاً سياسياً ولا يمكن اعتباره تعبيراً مشروعاً عن الغضب. إنه قذف جماعي يطال ملايين السوريات ويقوض السلم الأهلي ويعيد إنتاج كراهية لا يمكن احتواؤها بدعوات لاحقة للوحدة أو المصالحة.


والأم السورية—العلوية كما السنية والمسيحية—كانت دائماً خطاً أحمر. التعامل معها بلغة الاستهزاء لا يعبّر إلا عن انهيار أخلاقي لدى من يردّد هذه العبارات، وليس عن أي مطلب سياسي أو رؤية وطنية.



لا يمكن قراءة هذه الحادثة بمعزل عن إرث طويل من الاستهداف المنظّم للنساء السوريات، وهي أكاذيب عملت جهات متعددة على ترويجها منذ أكثر من 15 عاماً بهدف الطعن بنساء تسعون في المئة من المجتمع السوري.

اليوم، ينتقل هذا السلوك إلى مستوى جديد من خلال الشتائم العلنية. وما هو أخطر أن من يردّد هذه الهتافات هم في الغالب من مدّعي التدين، غير مدركين أن قذف امرأة واحدة يشكّل جرماً شرعياً كبيراً… فكيف بمن يقذف أكثر من مليون امرأة في عبارة واحدة؟

كيف يمكن لشاب تُهان أمه في الشارع أن يشعر بالانتماء إلى من يهينه؟

وكيف يمكن الحديث عن وحدة وطنية في ظل خطاب يُشعر ملايين السوريين بأنهم مستهدفون فقط لأنهم ينتمون إلى طائفة معينة؟

إن هذا النمط من الإهانات لا ينتج وعياً سياسياً، بل يصنع قطيعة اجتماعية عميقة ويقوّض أي إمكانية لمصالحة مستقبلية.

تضررت صورة السوريين في العالم خلال السنوات الماضية، ليس بسبب ثقافتهم أو تاريخهم، بل بسبب ما يتداول داخلياً من خطاب إقصائي وانحدار لغوي. لا يمكن لمجتمع يسعى للاحترام الخارجي أن يستمر في إنتاج هذا النوع من السلوك تجاه النساء.


كان للمعلمات من الطائفة العلوية دور محوري في تعليم أجيال في دمشق وحمص وبقية المناطق. آلاف المربيات اللواتي شاركن في بناء المجتمع عبر التعليم والتربية لا يمكن اختزالهن بشتيمة ولا يمكن إنكار أثرهن الأخلاقي والإنساني. والتنكر لهذا الدور اليوم لا يسيء إليهن، بقدر ما يكشف ضحالة أخلاق من يردد خطاب الإهانة.


أي مشروع سياسي يتأسس على الإهانة يسقط أخلاقياً قبل أن يسقط سياسياً. وأي حراك شعبي يتبنى خطاباً طائفياً يفقد شرعيته مهما كانت شعاراته. فالكرامة لا تُستعاد بإهانة الآخرين، والوحدة لا تقوم فوق الشتيمة، والحرية لا تنمو في تربة مغموسة بالقذف والطعن بالعرض.

احترام المرأة السورية—أياً كانت—ليس خياراً ولا مجاملة، بل شرط قيام وطن.

وما لم يتحرر الخطاب العام من اللغة التي رعتها بعض الجهات منذ سنوات، سيظل المجتمع أسير انقسامات لا يمكن أن تُبنى عليها دولة ولا أن ينهض عليها مستقبل.