نبض سوريا - متابعة
قدّمت مؤسسة ذا كريدل الأمريكيةتحقيقاً موسعاً حول أحداث قرية المختارية في ريف اللاذقية، كشفت من خلاله تسجيلات مرئية وشهادات ميدانية توضح كيف جرى تلفيق رواية عن «اشتباكات عنيفة مع ماسمتهم فلول النظام» لتبرير عملية عسكرية انتهت بمجزرة واسعة ضد سكان القرية العلويين.
وتبيّن المعلومات التي حصل عليها فريق التحقيق أن تلك الرواية المصنوعة شكّلت الغطاء الذي أتاح للقوات الحكومية تنفيذ الهجوم المخطط له مسبقا.
وبحسب ما وثّقته ذا كريدل، فتحت قوات تابعة للحكومة الانتقالية النار على المختارية عند الساعة السابعة والنصف من صباح السابع من مارس/آذار 2025 من الطريق السريع M4، مستخدمة أسلحة ثقيلة بينها مدافع من عيار 23 مم ورشاشات PKC وبنادق كلاشينكوف ودبابة، في وقت لم تُسجَّل فيه أي مقاومة مسلحة من داخل القرية، وفق ما أكده شهود عيان وناجون.
وتشير المعطيات التي جمعها التحقيق إلى مقتل ما يقارب 150 مدنيا من الرجال والفتيان خلال ساعات قليلة. وفي الوقت الذي أعلنت فيه بيانات حكومية أن العملية جاءت رداً على «وجود فلول للنظام» وتخللتها «اشتباكات عنيفة»، تتعارض شهادات ناجين وصور ومقاطع التقطها صحفيون مرافقون للقوات مع تلك البيانات الرسمية، مؤكدة غياب أي مواجهات قبل بدء إطلاق النار، وأن ما روّج له إعلامياً صيغ كذريعة لشرعنة المجزرة.
مصدر أمني حكومي أقر بحدوث «انتهاكات فردية» نفذتها «حشود غير منظمة» توجّهت نحو الساحل، مدعيا العمل على «وقف تلك التجاوزات»، إلا أن روايته بدت متناقضة مع مشاهد منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي توثق عمليات تصفية ميدانية واعتداءات جسدية بحق مدنيين عُزل في القرية.
ويكشف التحقيق عن وجود حسن أبو قصرة، وهو شخصية نافذة في هيئة تحرير الشام وابن عم وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، داخل المختارية أثناء وقوع الهجوم، حيث قدّم ـ وفق التحقيق ـ دعماً لوجستياً للقوات المتقدمة. وتربط المؤسسة بين المجزرة وسلسلة من العمليات المماثلة التي امتدت بين 7 و10 مارس على طول الساحل السوري، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1600 مدني علوي.
وتتحدث الشهادات عن تمهيد مسبق للعملية؛ إذ تمركزت وحدات من «الوحدة 400» في محيط القرية مساء السادس من أذار، وبدأت بإطلاق نار متقطع طوال الليل، ترافق مع هتافات ذات طابع طائفي، بحسب ما رواه ناجون. كما أصدر وزير الدفاع مرهف أبو قصرة توجيهات للقوات بالتوجه نحو الساحل مع ما وُصف بأنه «أوامر صارمة بسحق فلول النظام وجعلهم عبرة».
وتزامن الحشد العسكري مع دعوات عبر المساجد للمدنيين المسلحين لمرافقة القوات، ونُشرت تسجيلات لعناصر يقولون فيها إنهم متجهون لـ«قتل العلويين»، إلى جانب منشورات لحسن أبو قصرة على حساباته الشخصية تحمل إيحاءات بالقتل وتصف المتمردين بأنهم «حمقى تم استدراجهم»، في إشارة إلى مواجهات محدودة في جبلة استُخدمت ذريعة لبدء العملية.
ومع الساعات الأولى من يوم السابع من آذار، وصلت قوافل كبيرة من القوات العسكرية والأمنية ومدنيين مسلحين إلى المختارة، فيما تظهر شهادات وصور التُقطت من موقع الحدث جنودا يستهدفون المنازل دون اتخاذ ساتر أو تعرضهم لنيران مقابلة، ما يعزّز فرضية غياب أي اشتباك حقيقي.
وتؤكد لقطات بثتها قنوات عربية وجود إطلاق نار من جانب واحد فقط تجاه القرية، في حين يظهر صحفيون يلتقطون صورًا وسيلفي من قلب المنطقة دون أي مؤشر على وقوع تبادل للنيران، ما يدحض التسويق الإعلامي لوجود «معركة» ويبرهن، بحسب ذا كريدل، أن الصدام جرى تنظيمه على مستوى السردية لا الميدان.
الناجون الذين وثّق التحقيق روايتهم أجمعوا على أن دخول القوات كان لإعدام وتصفية مدنيين على الهوية الدينية، وأن الحديث عن مقاومة كان غطاءً للمجزرة، بينما تستمر السلطات في التأكيد على رواية «فلول النظام» مع تحقيقات داخلية لا تزال غير معلن عن نتائجها حتى الآن.