إدلب.. الخديعة الكبرى
كيف تحولت من مكب “نفايات بشرية” إلى مستودع نفايات حاكمة للسلطة؟

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - خاص

✍️نور محمد

منذ انطلاق موجات “الباصات الخضراء” التي نقلت آلاف المقاتلين والمدنيين من ريف دمشق ودرعا وحمص وحلب إلى الشمال السوري، ظل السؤال الكبير معلقا: لماذا إدلب بالذات؟ هل كان ذلك عجزاً عسكريا عن الحسم، أم جزءاً من هندسة سياسية طويلة الأمد انتهت ملامحها بالظهور في مشهد 2025؟


القراءة الباردة للوقائع تشير إلى أن إدلب لم تكن ملجأ اضطراريا، بل مساحة جرى تصميمها لتكون “محرقة سياسية” ومستودعًا مؤقتًا لتجميع الأزمات المؤجلة. عملية النقل لم تكن إخلاءً بقدر ما كانت إعادة توزيع للأطراف المزعجة بعيدا عن "سوريا المفيدة" ومراكز القرار والثقل الاقتصادي.


أولى ركائز هذه الخديعة تمثلت في تركيز الفصائل المتطرفة والمتصارعة في بقعة جغرافية واحدة، هذا التجميع خدم هدفين متوازيين: تفريغ المدن الكبرى من عناصر التوتر الأمني والسياسي، وتحويل إدلب إلى “فزاعة دولية” جاهزة للاستخدام في أي تفاوض أو تسوية، وهكذا تحولت المحافظة إلى مساحة قابلة للاحتراق الإعلامي والسياسي عند الحاجة.


الركيزة الثانية كانت صناعة الوكيل الموحد، وجود عشرات الفصائل المتنافسة كان يعرقل أي تفاهمات إقليمية أو دولية، لكن وضع الجميع داخل مساحة محاصرة نسبيا خلق بيئة تصفية داخلية، انتهت بصعود لاعب واحد مهيمن، هذا الواقع أنتج "عنواناً تفاوضياً" وحيداً يمكن التعامل معه تحت مسميات الواقعية السياسية وتأمين الطرق الدولية والممرات الحيوية.


أما الركيزة الثالثة فكانت الرهينة الجغرافية، إدلب، الملاصقة للحدود التركية والمهددة لعمق الساحل السوري، تحولت إلى ورقة ضغط إقليمية كبرى، ملايين المدنيين أصبحوا عملياً عنصراً في بورصة المصالح الدولية، بين ملف اللاجئين، والممرات التجارية، وأمن الحدود، والتوازنات العسكرية.


ويبقى السؤال الأهم: لماذا لم يتم تجميع هؤلاء في درعا أو ريف دمشق أو البادية؟ الإجابة تكمن في ما يمكن تسميته "قانون الجغرافيا الاستثمارية"؛ إدلب هي المحافظة الوحيدة القابلة للعزل كصندوق مغلق، دون تمزيق العمود الفقري للدولة من دمشق إلى حمص فالساحل، بهذا الشكل، تم تحصين "الأصول الثابتة" للنظام  السابق وحلفائه، وإبقاء العبء السياسي والأمني في زاوية يمكن التحكم بها.


إضافة إلى ذلك، يمنح الموقع الحدودي لإدلب بعداً جيوسياسيا بالغ الأهمية، إذ يربط الملف السوري مباشرة بالقرار التركي والأوروبي، ويحوّل المحافظة إلى نقطة تفاعل إقليمي دائم، كما أن وقوعها على طرق دولية رئيسية جعلها ورقة تفاوضية حيوية مرتبطة بحركة التجارة والنقل وإعادة الإعمار مستقبلاً.


النتيجة التي تتكشف اليوم أن إدلب لم تكن استثناءً في المشهد السوري، بل كانت المختبر الذي جرى فيه اختبار إعادة تدوير الفوضى، ما بدأ كمكب بشري للمهجّرين والمقاتلين، انتهى بإنتاج سلطة أمر واقع، تمارس الحكم بأساليب أكثر قسوة وتنظيما، وتعيد إنتاج النموذج السلطوي نفسه ولكن بواجهة مختلفة.


الخلاصة أن “الباصات الخضراء” لم تكن اتفاقات إخلاء إنساني، بل عملية نقل لوجستي سياسية لإعادة ترتيب خريطة النفوذ.


 لم يتم طرد الخصوم، بل تم ركنهم في زاوية قابلة للإدارة إلى حين نضوج الصفقة الكبرى، إدلب كانت الخديعة التي جرى إعدادها بصبر طويل، واليوم تتضح ملامح مرحلة جني الأرباح السياسية والجيوسياسية.


إدلب لم تكن نهاية الحرب… بل مستودعها المؤجل.