نبض سوريا - متابعة
في وقت ترفع فيه الحكومة الانتقالية شعارات “التحرير” و”إعادة بناء المؤسسات”، تكشف قرارات التعيين الأخيرة في السلك الدبلوماسي السوري مساراً مغايراً يقوم على إعادة تدوير النفوذ وتكريس منطق القرابة والانتماء السياسي بديلاً عن المعايير المهنية، في مشهد يعيد إلى الأذهان نماذج الإدارة القديمة ويضع مصداقية الخطاب الرسمي أمام اختبار حقيقي.
وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الخارجية السورية قراراً بتعيين زكريا لبابيدي قائماً بأعمال السفارة السورية في العاصمة الصينية بكين، بعد أن كان يشغل منذ أيار 2025 منصب مدير إدارة الشؤون الأفروآسيوية وأوقيانوسيا في الوزارة.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن لبابيدي درس في جامعة حلب قسم اللغة الإنكليزية عام 2012، ثم تابع دراسته في جامعة الإمام الأوزاعي الإسلامية في لبنان، قبل أن يعمل مديراً لمدرسة “مملكة المعرفة” في إدلب، في مسار مهني لا يرتبط بشكل مباشر بالتأهيل الدبلوماسي المتخصص المطلوب لإدارة بعثة بحجم السفارة السورية في بكين.
ويأتي هذا القرار بالتوازي مع تعيين محمد براء شكري قائماً بأعمال السفارة السورية في برلين، وهو نجل وزير الأوقاف، وكان يشغل منصب مدير إدارة أوروبا في وزارة الخارجية، في خطوة أعادت إلى الواجهة ملف تضارب المصالح وتداخل النفوذ العائلي مع المواقع السيادية.
كما شملت التعيينات الأخيرة تعيين العقيد أشهد صليبي سفيراً لسوريا في موسكو، بعد انتقاله السريع من العمل العسكري والإداري إلى السلك الدبلوماسي، في ظل غياب معلومات معلنة حول امتلاكه مؤهلات أكاديمية أو خبرات متخصصة في العلاقات الدولية.
وإلى جانب هذه الحالات، تشير معطيات متداولة إلى أن عدداً من التعيينات التي طالت بعثات خارجية خلال الأشهر الماضية شملت شخصيات لا تمتلك شهادات علمية ذات صلة بالعمل الدبلوماسي ولا خبرة مهنية متراكمة في مجال السياسة الخارجية، ما أثار حالة استياء في أوساط دبلوماسية سابقة ومراقبين، وفتح باب التساؤلات حول آليات الانتقاء والتأهيل داخل وزارة الخارجية السورية.
ويرى متابعون أن هذه القرارات تعكس توجهاً متنامياً لتحويل السلك الدبلوماسي إلى مساحة لإعادة توزيع النفوذ السياسي ومكافأة الدوائر المقرّبة من مراكز القرار، بدلاً من كونه مؤسسة تمثيلية يفترض أن تقوم على المهنية والتخصص.
وفي المحصلة، تكشف هذه السلسلة من التعيينات أن الحكومة الانتقالية لا تتجه نحو القطيعة مع نموذج الحكم السابق كما تروّج خطابياً، بل تبدو أقرب إلى إعادة إنتاجه بصيغة أكثر اتساعاً وأقل حرجاً، فإذا كان نظام الأسد قد بنى منظومته على شبكة ولاءات محكومة أحياناً بسقوف الخبرة والشهادات في المواقع الحساسة، فإن المشهد الحالي يشير إلى انتقال واضح نحو نموذج يعتمد القرابة والانتماء السياسي كمعيار أساسي للتكليف، ما يضع مفهوم “المرحلة الانتقالية” أمام اختبار مصداقية حقيقي، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت هذه المرحلة تمثل بداية إصلاح فعلي أم مجرد تبديل أسماء فوق البنية ذاتها.