نبض سوريا - متابعة
كشفت صحيفة "الأخبار" اللبنانية النقاب عن تحول لافت في الأولويات الأوروبية تجاه الملف السوري، مؤكدة أن الدول الأوروبية تضع ملف إعادة اللاجئين السوريين على رأس أجندتها، فيما يتوارى التعاون الاقتصادي والانخراط الاستثماري إلى مرتبة متأخرة.
ورصدت الصحيفة في تحقيقها الموسع حالة من التريّث الاقتصادي الواضح من قبل الدول الأوروبية تجاه دمشق، مشيرة إلى أن هذا الموقف يأتي رغم التطبيع السياسي الذي أبدته معظم العواصم الأوروبية مع الحكومة الانتقالية.
وبحسب المعلومات المتوافرة، لا تزال غالبية الدول الأوروبية تصنف سوريا على أنها "غير آمنة"، بعد أكثر من عام على التحول السياسي، ما يشكّل عقبة رئيسية أمام عودة الشركات الكبرى للعمل في السوق السورية.
وأظهرت متابعة "الأخبار" للتحركات الاستثمارية الأخيرة أن النشاط المعلن حتى اللحظة يقتصر على قطاعات محدودة ذات طابع ريعي، مثل الطاقة والعقارات، وتتركز غالبيته ضمن تكتل رباعي يضم قطر وتركيا والسعودية والولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن باحث اقتصادي مقيم في لندن تأكيده أن طبيعة الاستثمارات الحالية في سوريا تحمل "بعدين أساسيين: سياسي وريعي"، مشيراً إلى أن البلاد لا تزال بعيدة عن أن تكون بيئة جاذبة للاستثمارات الإنتاجية التقليدية. ولفت الباحث إلى أن الاستثمار الأوروبي الإنتاجي الحقيقي لا يزال غائباً، مرجحاً ألا يتغير هذا الواقع إلا في حال منح المستثمرين الأوروبيين امتيازات احتكارية استثنائية.
ماضٍ من الشراكة وحاضر من القطيعة
وتوقفت "الأخبار" عند تاريخ العلاقات الاقتصادية السورية الأوروبية، مشيرة إلى أنها لم تكن دوماً على هذا القدر من الفتور. ففي العقد الأول من الألفية الجديدة، كانت سوريا شريكاً تجارياً مهماً لأوروبا. وأظهرت الأرقام التي استعرضتها الصحيفة أن حجم التبادل التجاري بلغ ذروته في عام 2010، حيث شكلت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى سوريا نحو 26% من إجمالي المستوردات السورية (بقيمة 4.5 مليارات دولار)، فيما استوعب السوق الأوروبي 37% من الصادرات السورية (بقيمة 4.6 مليارات دولار).
أما على صعيد الاستثمارات المباشرة، فأشارت الصحيفة إلى أن عدد المشاريع الأوروبية لم يكن كبيراً، لكن أهميتها نبعت من تمركزها في قطاعات إنتاجية حيوية، مثل مشروع شركة "بل" الفرنسية للأجبان الذي تجاوزت كلفته 46 مليون دولار، ومشروع "نستله" السويسرية (37.5 مليون دولار)، ومصنع "لافارج" الفرنسي للإسمنت.
ورصدت "الأخبار" حجم التراجع الكبير الذي أصاب العلاقات الاقتصادية خلال سنوات الحرب، حيث تسببت العقوبات الغربية وتدهور الأوضاع الأمنية في انسحاب جميع الشركات الأوروبية وتجميد أنشطتها. وبلغ التدهور التجاري مستويات قياسية، إذ لم تتجاوز مستوردات سوريا من أوروبا في عام 2022 سوى 9% مما كانت عليه في 2010، بينما هوت الصادرات السورية إلى أوروبا إلى 0.6% فقط من مستواها السابق.
ملف اللاجئين يتقدم على الاقتصاد
وكشفت الصحيفة عن المفارقة الأبرز في الموقف الأوروبي الحالي، فرغم التحول السياسي في نهاية 2024 ورفع جزء من العقوبات، يبدو أن الطريق نحو استعادة العلاقات الاقتصادية السابقة لا يزال طويلاً ومعقداً. ونقلت عن أحد ناشطي المجتمع المدني المتابعين للزيارات الأوروبية الأخيرة لسوريا، تأكيده أن "معالجة ملف اللاجئين السوريين في أوروبا هي الأولوية القصوى التي تطرحها الوفود الأوروبية"، موضحاً أن البحث في التعاون الاقتصادي يأتي في مرتبة تالية تماماً.
وأضاف الناشط في حديثه للصحيفة أن الأوروبيين يركزون في مفاوضاتهم مع الحكومة الانتقالية على أولويتين ملحّتين: الأولى هي ترحيل اللاجئين "غير المرغوب فيهم" إلى سوريا، والثانية هي ضمان وقف تدفق أي موجات لجوء جديدة نحو القارة العجوز. ويعود هذا القلق الأوروبي، بحسب التقديرات التي رصدتها "الأخبار"، إلى المخاوف من أن يؤدي استمرار حالة عدم الاستقرار وانعدام الأمن في سوريا إلى تجدد ظاهرة الهجرة، وهو ما تسعى أوروبا لتجنبه بأي ثمن.
وخلصت الصحيفة إلى أن استعادة الزخم الاقتصادي السابق لن تكون وشيكة، ما لم يتم حسم ملف اللاجئين بما يرضي الجانب الأوروبي أولاً، مؤكدة أن البوصلة الاقتصادية الأوروبية لا تزال في وضع الانتظار إلى حين تحقيق التقدّم المنشود في ملف إعادة اللاجئين.