الصيام.. عندما يتحول الامتناع عن الطعام إلى أداة بيولوجية لإصلاح الجسم

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - متابعة 

يكشف العلم الحديث عن أبعاد جديدة للصيام تتجاوز كونه ممارسة دينية أو تقليدًا ثقافيًا، ليظهر كآلية بيولوجية قد تسهم في إعادة توازن الجسم وتقليل الالتهابات المزمنة. 


وتشير دراسات طبية حديثة إلى أن الامتناع المؤقت عن الطعام يمنح الجسم فرصة للتحول من مرحلة تخزين الطاقة إلى مرحلة الإصلاح الخلوي، وهي عملية يرى باحثون أنها قد تفسر بعض الفوائد الصحية المرتبطة بالصيام عبر التاريخ.


الصيام بين المعنى الديني والتفسير العلمي

يعني الصيام في اللغة الإمساك، وهو مفهوم لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب فقط، بل يشمل أشكالًا أخرى من الامتناع، مثل ما ترويه النصوص الدينية عن نذر السيدة مريم الصمت. 


غير أن الصيام الغذائي، كما يركز عليه الباحثون اليوم، أصبح محل اهتمام علمي متزايد بسبب ارتباطه المحتمل بتحسين وظائف التمثيل الغذائي وتقليل الالتهابات.


وتشير أبحاث حديثة إلى أن الصيام قد يساعد الجسم على خفض مستويات الالتهاب المزمن، وهو نوع من الاستجابة المناعية المستمرة التي ترتبط بعدد كبير من الأمراض مثل السكري وأمراض القلب واضطرابات المناعة.


الالتهاب المزمن.. العدو الصامت


يُعرَّف الالتهاب المزمن بأنه حالة يبقى فيها الجهاز المناعي في حالة نشاط دائم نتيجة التعرض المتكرر لعوامل مثل العدوى أو السمنة أو التوتر. 


ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا النشاط المستمر إلى تلف مكونات الخلايا، خصوصًا الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة.


كما يؤدي ذلك إلى تراكم بروتينات تالفة داخل الخلايا وتعطل آلية التنظيف الذاتي المعروفة علميًا باسم "الأوتوفاجي"، وهي العملية التي يتخلص خلالها الجسم من الخلايا التالفة ويعيد تدوير مكوناتها.


ويؤكد الباحثون أن تعطّل هذه الآلية قد يسرّع الشيخوخة البيولوجية ويزيد احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة.


كيف يمنح الصيام الجسم فرصة للإصلاح؟


توضح دراسة علمية نشرتها مجلة Cell مطلع عام 2024 أن تقليل السعرات الحرارية عبر الصيام قد يرتبط بانخفاض مؤشرات الالتهاب في الجسم. 


ويرى الباحثون أن الصيام يساهم في تقليل مستويات الأنسولين وتحفيز مسارات خلوية مرتبطة بمقاومة الإجهاد وإصلاح الأنسجة.


وبحسب الدراسة، فإن فهم الآليات الدقيقة التي تربط الصيام بتراجع الالتهابات ما يزال موضوعًا للبحث، لكن النتائج الأولية تشير إلى تأثيرات واعدة.


الصيام المتقطع وتحسين المؤشرات الصحية


تشير مراجعة علمية شملت أكثر من 80 دراسة بشرية ونشرتها مجلة The" "Journal of Nutrition إلى أن الصيام المتقطع، الذي يقوم على تناول الطعام خلال نافذة زمنية محددة تصل عادة إلى 8 ساعات مقابل صيام لمدة 16 ساعة، قد يساهم في تحسين عدد من المؤشرات الصحية.


وأظهرت نتائج الدراسات تحسنًا في حساسية الجسم للأنسولين، إضافة إلى تحسن في مستويات الدهون في الدم وضغط الدم. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن معظم هذه الدراسات قصيرة المدى ولا تكفي لتحديد التأثيرات الطويلة الأمد على الالتهابات.


تجربة الوجبة الواحدة يوميًا


في تجربة أجرتها كلية كوينز بجامعة كامبريدج ونُشرت نتائجها مطلع عام 2024، خضع 21 متطوعًا لنظام غذائي يعتمد على تناول وجبة واحدة تحتوي على نحو 500 سعر حراري، يليها صيام لمدة 24 ساعة.


ورصد الباحثون ارتفاع مستويات حمض الأراكيدونيك، وهو نوع من الدهون يؤدي دورًا مهمًا في تخزين الطاقة ونقل الإشارات بين الخلايا. كما لاحظوا انخفاض نشاط مركب التهابي يعرف باسم NLRP3 inflammasome، وهو مركب مرتبط بعدد من الأمراض الالتهابية.


صيام الماء.. نتائج متباينة

في دراسة نشرتها مجلة Clinical and Translational Medicine خضع 48 شخصًا بالغًا لصيام الماء لمدة خمسة أيام متتالية مع مراقبة المؤشرات الحيوية والمناعية.


وأظهرت النتائج انخفاضًا في ضغط الدم ووزن الجسم وبعض مؤشرات الالتهاب. لكن الباحثين لاحظوا أيضًا فقدان جزء من الكتلة العضلية وعودة بعض المؤشرات إلى مستوياتها السابقة بعد استئناف التغذية، ما يشير إلى ضرورة توخي الحذر عند اتباع هذا النوع من الصيام.


الصيام الجاف وتجربة رمضان

يمثل الصيام الجاف، الذي يمتنع فيه الصائم عن الطعام والشراب لساعات محددة كما يحدث في شهر رمضان، أحد الأنماط الأقل دراسة علميًا.


وفي دراسة نشرتها مجلة علمية تابعة لدار "Elsevier"، تابع الباحثون 14 مشاركًا مصابين بمتلازمة الأيض خلال صيام رمضان لمدة شهر تقريبًا.


 وأظهرت النتائج تغيرات في بروتينات خلايا الدم البيضاء تشير إلى انخفاض بعض إشارات الالتهاب المرتبطة بالأوعية الدموية، إلى جانب ارتفاع بروتينات مرتبطة بحماية الخلايا.


كما رصدت دراسة أخرى أجريت على متطوعين أصحاء من الطائفة البهائية، الذين يتبعون نمط صيام مشابهًا، تحسنًا في عملية استقلاب الدهون دون ظهور آثار سلبية كبيرة على مستوى الترطيب لدى المشاركين الأصحاء.


آراء الباحثين..مؤشرات واعدة ولكن


يرى عالم الأعصاب مارك ماتسون، الذي درس العلاقة بين الصيام وصحة الدماغ في المعهد الوطني للشيخوخة بالولايات المتحدة، أن الصيام قد يفعّل مسارات مقاومة الإجهاد الخلوي ويقلل بعض المؤشرات الالتهابية.


 لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن كثيرًا من الأدلة المتعلقة بعملية "الأوتوفاجي" ما تزال مستمدة من تجارب على الحيوانات أو دراسات قصيرة المدى على البشر.


من جانبه، يربط الباحث في علوم الشيخوخة فالتر لونغو الفوائد الصحية للصيام بما يسميه "الصيام العلاجي المنظم"، وهو نمط يتم تحت إشراف طبي وضمن بروتوكولات علاجية محددة.


ويؤكد الباحثون أن الصيام قد يكون عنصرًا مساعدًا ضمن منظومة صحية أوسع تشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني والنوم الجيد، وليس حلًا منفردًا لجميع المشكلات الصحية