نبض سوريا - خاص
في الدول الخارجة من الحروب، تُبنى شرعية الاستقرار على قاعدة واحدة: فصل العدالة عن الانتقام، وتحويل مؤسسات الدولة إلى مرجعية حصرية في تحديد المسؤولية الفردية، لا بوابة لإعادة إنتاج الانقسام، غير أن المشهد السوري الراهن يشي بتآكل هذه القاعدة، في ظل تصاعد خطاب اجتماعي وإعلامي يتجاوز فكرة المحاسبة القانونية نحو منطق الإقصاء الجماعي وإعادة إنتاج الاصطفاف.
خلال الفترة الأخيرة، برز على منصات التواصل وفي بعض البيئات المحلية سيل من المنشورات والبيانات المجهولة التي تستهدف فئات واسعة من السوريين تحت تسميات فضفاضة من قبيل "الشبيحة" و"فلول النظام" و"الخونة"، الإشكال هنا لا يكمن فقط في اللغة المستخدمة، بل في انتقالها من توصيف أفراد متهمين بوقائع محددة إلى تعميم العقوبة على شرائح اجتماعية كاملة، بما يشمل التهديد بالطرد، والتضييق، وفرض العزلة الرمزية والمكانية.
ومن بين أكثر العبارات تداولاً، تلك التي تدعو صراحة إلى "المغادرة أو الالتزام بالمنازل بانتظار الحساب"، إضافة إلى إعلانات غير رسمية تعتبر بعض الأحياء "مناطق غير مرحب بها" لفئات بعينها، هذا النوع من الخطاب لا ينتمي إلى منطق العدالة الانتقالية، بل إلى هندسة اجتماعية قائمة على الردع الجماعي وإعادة رسم الخريطة السكانية وفق معايير سياسية/أمنية غير قضائية.
الإشكال الأكثر تعقيداً أن الجزء الأكبر من السوريين خلال سنوات الحرب كان منخرطاً، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مؤسسات الدولة القائمة آنذاك، ملايين الموظفين والمدنيين والعاملين في القطاعات العامة أدوا وظائفهم ضمن منظومة الدولة، سواء بدافع الحاجة المعيشية أو الالتزام الإداري أو الإلزام القانوني، وعليه، فإن تحويل هذا الانخراط البنيوي إلى قرينة إدانة جماعية يخلط بين المسؤولية الفردية والاصطفاف القسري داخل جهاز دولة منهك، ويهدد بتوسيع دائرة الاستهداف بدل حصرها في من يثبت تورطه الفعلي بجرائم محددة.
في المقابل، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: أين موقع الدولة من هذا الخطاب المتصاعد؟
ففي حال كانت هذه الممارسات لا تعبّر عن سياسة رسمية، فإن غياب إجراءات رادعة وواضحة بحق محرّضيها يفتح باب التأويل على مصراعيه، فالمطلوب ليس مجرد نفي ضمني، بل تثبيت عملي لمبدأ أن الاحتكام يكون للقضاء وحده، وأن أي تهديد أو تحريض على العقاب الجماعي يُعد خرقاً مباشراً لأسس الاستقرار القانوني والاجتماعي.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في آثار الحرب المباشرة، إنما في التحول التدريجي نحو نظام اجتماعي غير معلن يُعاد فيه تعريف المواطنة وفق معيار الانتماء السابق، لا الحقوق القانونية الراهنة. هذا التحول، إن تُرك بلا ضبط، يُنتج مجتمعاً هشاً تتآكل فيه فكرة الدولة لصالح شبكات انتقام متبادل.
العدالة الانتقالية ليست تفويضاً مفتوحاً للعقاب، ولا المظالم السابقة مبرراً لإلغاء الفرد داخل الجماعة، فالدولة التي تسعى للاستقرار لا يمكن أن تُبنى على منطق التخويف أو الإقصاء أو التعميم، بل على مبدأ واضح: لا مسؤولية إلا فردية، ولا عقوبة إلا بحكم قانون.
يبقى السؤال الجوهري مطروحاً بلا مواربة: هل يجري ضبط هذا المسار نحو استعادة منطق الدولة، أم أن اتساع خطاب الإقصاء يعكس تحولاً أعمق في طبيعة إدارة المرحلة؟
والإجابة، في نهاية المطاف، لن تُقاس بالتصريحات، بل بقدرة المؤسسات على حماية جميع المواطنين دون استثناء، وعلى تفكيك خطاب التحريض أياً كان مصدره، وعلى إعادة الاعتبار للعدالة بوصفها نظام مساءلة لا أداة انتقام.