الآلية السورية للتحقيق تحذر..
غموض التسويات والإجراءات الانتقائية ساهمت بانتقال العدالة إلى الشارع

  • A+
  • A-

 نبض سوريا -  

أعربت "الآلية السورية للتحقيق" عن قلقها البالغ إزاء التطورات الأخيرة في الشارع السوري، وما رافقها من تحركات شعبية وتوترات أمنية، وصولاً إلى وقوع حالات قتل طالت أشخاصاً على خلفية اتهامات بالارتباط بالنظام السابق، دون وجود إجراءات قضائية أو تحقيقات رسمية مستقلة أو أحكام صادرة عن جهات مختصة.


وأكدت الآلية، في بيان صادر عنها، أن حماية المجتمع من دوامة الانتقام والعنف لا تتحقق عبر تجاهل مطالب العدالة، ولا عبر ترك ملف الانتهاكات رهينة الغموض والتسويات غير المعلنة، بل من خلال إنشاء مسار عدالة انتقالية حقيقي ومستقل يضمن تحديد المسؤوليات، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المتورطين وفق معايير قانونية واضحة.


وذكرت الآلية أنها حذرت مراراً من أن غياب سردية رسمية واضحة من قبل السلطات حول الانتهاكات المرتكبة، وعدم الإعلان عن آليات محددة لتحديد الفاعلين والمسؤوليات، سيؤدي إلى خلق فراغ خطير.


وأوضحت أن هذا الفراغ لن يبقى بلا مضمون، بل ستملؤه سرديات مجتمعية متعددة، غالباً ما تكون قائمة على الذاكرة الجماعية، والغضب، والاتهامات غير الموثقة، ما يفتح الباب أمام تصنيف جماعي للأفراد وتحميل المسؤولية خارج إطار القانون.


كما أشارت الآلية السورية للتحقيق إلى أن عدم قيام السلطات منذ اليوم الأول بتحمل مسؤوليتها في إدارة ملف العدالة الانتقالية، وتقديم تصور واضح حول آليات التحقيق والمحاسبة، إضافة إلى اللجوء  لإجراءات انتقائية وغير شفافة بين العفو والمساءلة، ساهم في ترسيخ حالة من انعدام الثقة وأوجد بيئة تسمح بانتقال العدالة من المؤسسات إلى الشارع.


وحذّرت الآلية من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى توسع ظاهرة العقاب خارج نطاق القانون، وتحول الاتهامات إلى أحكام ميدانية، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي ويعيد إنتاج أنماط العنف التي عانى منها السوريون طوال سنوات النزاع.


وشددت الآلية على أن وقوع عمليات قتل بحق أشخاص دون تحقيق أو محاكمة لا يمثل تحقيقاً للعدالة، بل يمثل انتهاكاً جديداً لمبادئ سيادة القانون وحقوق الإنسان، ويهدد بتحويل المجتمع إلى أطراف تقوم بالمحاسبة وفق قناعاتها الخاصة، بعيداً عن أي ضمانات قانونية.


ودعت الآلية السورية في ختام بيانها، السلطات إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية بشكل عاجل، وذلك من خلال  الإعلان عن مسار واضح وشفاف للعدالة الانتقالية يحدد آليات التحقيق والمحاسبة، وتحديد المسؤوليات والفاعلين عبر مؤسسات قضائية مستقلة، وليس عبر الاتهامات العامة أو الأحكام الشعبية.


وطالبت بوقف أي شكل من أشكال الإفلات من العقاب أو التسويات غير المعلنة التي تقوض ثقة السوريين بالعدالة  إضافة إلى ضمان محاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات وفق القانون، مع احترام حقوق الضحايا وحقوق المتهمين على حد سواء ومنع أي عمليات قتل أو انتقام خارج إطار القضاء، ومحاسبة مرتكبيها باعتبارها جرائم تهدد بناء دولة القانون.


واختتمت الآلية بيانها بالقول إن "العدالة المتأخرة يمكن معالجتها، أما العدالة التي تُستبدل بالفوضى والانتقام فإنها تهدد مستقبل البلاد بأكمله"، مؤكدة أن مسؤولية منع انفجار جديد للعنف تقع أولاً على عاتق مؤسسات الدولة التي يجب أن تضع حداً للفراغ القانوني والسياسي، وتعيد ملف العدالة إلى مكانه الطبيعي: القضاء المستقل وسيادة القانون.