نبض سوريا - متابعة
في تطور خطير ومتسارع يضرب قلب صناعة الطاقة في منطقة الخليج، شهدت الساعات القليلة الماضية تصعيداً غير مسبوق بدأ بغارات إسرائيلية استهدفت منشآت حقل بارس الجنوبي للغاز الطبيعي في منطقة عسلوية جنوب إيران، وانتهى بتهديد إيراني مباشر بنشر خرائط لمنشآت نفطية حيوية في كل من السعودية والإمارات وقطر، في مشهد ينذر بمواجهة مفتوحة قد تعيد رسم ملامح أمن الطاقة العالمي وتلقي بظلالها الثقيلة على إمدادات الغذاء في العالم.
فقد أفادت مصادر مطلعة بأن غارات جوية إسرائيلية استهدفت المرحلة الرابعة عشرة من حقل بارس الجنوبي، أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم الذي تتقاسمه إيران مع قطر، ما أدى إلى اندلاع حريق كبير في المنشآت الحيوية بالمنطقة، وتسبب في توقف جزئي للإنتاج بلغت خسائره الأولية نحو 12 مليون متر مكعب من الغاز يومياً.
ويشكل هذا الحقل العمود الفقري لقطاع الطاقة الإيراني، إذ يعتمد عليه في توفير ما بين 70 إلى 80 في المئة من إنتاج البلاد من الغاز، كما يغذي صناعات استراتيجية كبرى على رأسها مصانع إنتاج الأمونيا واليوريا والنيتروجين، التي تشكل مدخلات أساسية لا غنى عنها لصناعة الأسمدة الزراعية حول العالم.
غير أن التداعيات لم تقف عند حدود الحريق الإيراني، فبعد ساعات قليلة من الاستهداف، أعلن الحرس الثوري الإيراني في بيان مفاجئ عن نشر خرائط تفصيلية لمجموعة من المنشآت النفطية الحيوية في عدد من الدول العربية المطلة على الخليج، وتحديداً في السعودية والإمارات وقطر، مؤكداً أن هذه المنشآت ستكون ضمن أهدافه خلال المرحلة المقبلة، ومطالباً المدنيين والعاملين في تلك المواقع بالابتعاد عنها حفاظاً على سلامتهم، في تهديد واضح بتوسيع رقعة الصراع لتشمل دول الجوار وتحويل البنية التحتية للطاقة في المنطقة برمتها إلى أهداف عسكرية مباشرة.
وتكمن الخطورة القصوى لهذه التطورات في كونها تضرب مصدر الإنتاج وطرق النقل في آن معاً، إذ أن تعطل جزء من إنتاج الغاز الإيراني يهدد بشكل مباشر صناعة الأسمدة العالمية التي تعتمد على صادرات اليوريا، فيما يؤدي التهديد الإيراني للمنشآت الخليجية إلى وضع إنتاج النفط والغاز في السعودية والإمارات وقطر تحت طائلة الاستهداف المباشر، ناهيك عن أن صادرات الغاز القطري من حقل الشمال، وهو الجزء القطري من حقل بارس المشترك، تواصل اعتمادها شبه الكامل على مضيق هرمز كممر إجباري لشحناتها، ما يعني أن المنطقة تتجه نحو تشكيل اختناقات مزدوجة تهدد بتعطيل جزء كبير من سلسلة الإمداد بالنيتروجين والأسمدة الضرورية للموسم الزراعي العالمي.
ويشير مراقبون إلى أن تحويل منشآت الطاقة إلى أهداف عسكرية مباشرة يمثل نقطة تحول خطيرة في الصراع الإقليمي، خاصة أن أي استهداف للمنشآت النفطية في أي من دول الخليج لن يؤدي فقط إلى شلل جزئي في إمدادات النفط والغاز العالمية، بل سينعكس حتماً على أسواق الغذاء عبر ارتفاع جنوني في أسعار اليوريا والأسمدة، وهو ما يأتي في توقيت حساس يشهد فيه العالم تحديات كبيرة تتعلق بالأمن الغذائي واستقرار سلاسل التوريد.
الخلاصة أن العالم وجد نفسه فجأة أمام معادلة صعبة ومعقدة، فهو بحاجة ماسة إلى بقاء حقل بارس الجنوبي ومضيق هرمز والمنشآت النفطية الخليجية جميعها في حالة استقرار وتشغيل كاملين لضمان تدفق الطاقة والغذاء، لكن ما يحدث على الأرض يشير إلى عكس ذلك تماماً، فالمصانع تحترق، والمضائق مهددة، والخرائط العسكرية ترسم أهدافاً جديدة في قلب صناعة الطاقة، وبين انقطاع الإمداد وإغلاق طرق النقل وتصاعد اللهجة العسكرية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى أي مدى ستتحمل الأسواق العالمية والموسم الزراعي المقبل وطأة هذه الاضطرابات، ومن يضمن استمرار تدفق الغذاء والطاقة في ظل حريق إقليمي شامل يهدد بابتلاع كل شيء؟