نبض سوريا - متابعة
كشفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية، في تقرير أصدرته اليوم، عن تفاصيل صادمة لسلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال شهر تموز الماضي في محافظة السويداء، مؤكدة أن أعمال العنف التي اجتاحت المنطقة أسفرت عن مقتل أكثر من ألف وسبعمئة شخص، وإجبار نحو مئتي ألف على الفرار من منازلهم في موجات متعاقبة من القتل والحرق والتهجير.
واستند التقرير، الذي جاء نتاج نحو أربعمئة وتسع شهادات مباشرة جمعها المحققون من ناجين وشهود، إضافة إلى زيارات ميدانية موسعة للمناطق الأكثر تضرراً، إلى معاينات ميدانية أجراها أعضاء اللجنة بعد حصولهم على موافقة السلطات السورية للدخول إلى السويداء، حيث رصدوا دماراً هائلاً طال القرى الدرزية بشكل خاص، شمل احتراق عشرات الآلاف من المنازل والمحلات التجارية ودور العبادة.
وأكد رئيس اللجنة، السيد باولو سيرجيو بينهيرو، في تصريحات له، أن حجم الوحشية التي رافقت الانتهاكات الموثقة في السويداء يثير قلقاً بالغاً، مشدداً على ضرورة توسيع جهود المساءلة لتشمل جميع الجناة مهما كانت انتماءاتهم أو رتبهم، إلى جانب إجراء حوار صادق يعالج الجذور العميقة للعنف ويعيد بناء الثقة بين المجتمعات المحلية.
وبحسب التقرير، وثقت اللجنة عمليات إعدام ميدانية، وتعذيباً، وعنفاً جنسياً، وحرقاً ممنهجاً للممتلكات، وهي انتهاكات رأى المحققون أنها قد ترقى إلى جرائم حرب، كما قد تشكل، في حال اكتمال الأدلة، جرائم ضد الإنسانية.
وتفصيلاً، أوضح التقرير أن الأحداث اندلعت على خلفية توترات طائفية، لتتطور إلى ثلاث موجات عنف مدمرة، استهدفت الأولى والثالثة المدنيين من الطائفة الدرزية، فيما ركزت الثانية على المدنيين من المجتمع البدوي.
ففي الموجة الأولى التي وصفتها اللجنة بأنها الأكثر دموية، نفذت القوات الحكومية المدعومة بمقاتلين من العشائر، بين الرابع عشر والسادس عشر من تموز، انتهاكات واسعة شملت القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والنهب في غرب المحافظة ومدينة السويداء، حيث جرى فصل الرجال الدرز عن نسائهم وأطفالهم قبل إعدامهم، بينما قتل آخرون رمياً بالرصاع في الشوارع أو داخل منازلهم إلى جانب عائلاتهم.
أما الموجة الثانية، فاندلعت في السابع عشر من تموز، عقب انسحاب القوات الحكومية إثر غارات جوية إسرائيلية استهدفت محافظتي السويداء ودمشق، لتشن جماعات درزية مسلحة هجوماً على المدنيين البدو ارتكبت خلاله انتهاكات جسيمة طالت القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والتشريد القسري، ما أدى إلى نزوح شبه كامل لأفراد المجتمع البدوي من مناطق سيطرتها.
وفي الموجة الثالثة التي امتدت من أواخر السابع عشر إلى التاسع عشر من تموز شن مقاتلون من العشائر حشدتهم السلطات هجمات انتقامية واسعة استهدفت مجدداً المدنيين الدرز، حيث أحرقوا ونهبوا كل المنازل والمحلات والمواقع الدينية في نحو خمس وثلاثين قرية ذات أغلبية درزية أو مختلطة، في مشهد شهد قتل مدنيين واختطافهم، بل وتجرد بعض العسكريين من زيهم الرسمي للانضمام إلى عمليات النهب والحرق.
ولم يقتصر تأثير الأحداث على الخسائر البشرية والمادية، إذ أشار التقرير إلى أن الغارات الإسرائيلية وجهود تقويض عمل المؤسسات الحكومية ساهمت في زعزعة الاستقرار وأججت اتهامات بالخيانة لقادة محليين، وأشعلت حملات تحريض إلكتروني وهجمات انتقامية طالت المجتمع الدرزي برمته.
وسجل التقرير أن كل موجة من موجات العنف رافقتها إهانات طائفية موجهة ضد الدروز والبدو، مع أنماط واضحة من الاستهداف على أساس الهوية الدينية والعرقية والعمر والجنس، حيث امتلأت المستشفيات بالجرحى وتراكمت الجثث في ظل اشتداد المعارك.
ورغم إعلان الحكومة السورية التزامها بالمساءلة وإنشاء هيئة تحقيق وطنية، أفادت اللجنة بأنه لم يُكشف سوى عن معلومات محدودة حول التحقيقات المتعلقة بالمسؤولين الكبار، رغم إعلان الهيئة الوطنية مؤخراً عن اعتقال ثلاثة وعشرين عنصراً من قوات الأمن والجيش.
وفي هذا السياق، شددت المفوضة فيونوالا ني أولين على أن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها أفراد من القوات الحكومية والجماعات المسلحة الدرزية تستدعي تحقيقات موسعة وسريعة وفعالة، محذرة من أن الأنماط التي رصدتها اللجنة تشير إلى أن الهجمات قد تكون جزءاً من هجوم واسع ومنهجي ضد سكان السويداء، مما يضع على الحكومة مسؤولية إجراء مزيد من التحقيقات باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، والاستعانة بالدعم الدولي عند اللزوم.
وكشفت أرقام الضحايا التي وثقها التقرير عن مقتل ألف ومئتين وأربعة وأربعين مدنياً درزياً، منهم تسع وتسعون امرأة وثلاث وخمسون طفلاً، فيما قتل من المجتمع البدوي سبعون مدنياً، بينهم تسع نساء وثمانية أطفال، إلى جانب سقوط مئتين وخمسة وعشرين عنصراً من القوات الحكومية، كثير منهم في الغارات الإسرائيلية.
وفي ملف المفقودين، أوضح التقرير أنه لا يزال نحو مئة درزي وعشرون بدوياً وثلاثون من موظفي الحكومة في عداد المفقودين، إضافة إلى متطوع في الدفاع المدني السوري، فيما لم تتأكد تقارير أولية عن أعداد كبيرة من النساء المفقودات، إذ لا يزال مصير ثلاث نساء بدويات وفتاة واحدة وثلاث نساء درزيات مجهولاً.
أما على صعيد العنف الجنسي، فقد أفادت اللجنة بورود تقارير عن اغتصاب وعنف جنسي طال نساء وفتيات من المجتمعين الدرزي والبدوي، لكن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد الحجم الكامل لهذه الجرائم.
وبعد ثمانية أشهر على الأحداث، لا تزال محافظة السويداء تعاني انقساماً حاداً، مع استمرار الاشتباكات وثبات خطوط التماس، وحرمان نحو مئة وخمسة وخمسين ألف نازح، معظمهم من القرى الدرزية المحروقة، من العودة إلى ديارهم، فيما يعيش جميع أفراد المجتمع البدوي تقريباً في ملاجئ غير لائقة وسط مخاوف متواصلة من تجدد العنف.
ودعت المفوضة منية عمار إلى تحميل الدولة مسؤوليتها النهائية في ضمان الحقوق لجميع السوريين، مؤكدة أن الجماعات المسلحة الدرزية ملزمة أيضاً بالقانون الدولي الإنساني بمحاسبة أفرادها، وإعادة الجثث، وتحديد مصير المفقودين، وضمان عودة النازحين واحترام ممتلكاتهم.
كما أشار التقرير إلى تفاقم خطاب الكراهية والمعلومات المضللة خلال الأحداث، مع انتشار واسع لمقاطع فيديو وادعاءات كاذبة، منها مزاعم لم تثبت صحتها حول إلحاق أذى بالأجنة والرضع، ما زاد من تعقيد آفاق المصالحة.
واختتمت اللجنة تقريرها بدعوة مكثفة لتكثيف جهود المساءلة الشاملة، واتخاذ تدابير ملموسة لمنع تكرار العنف، ودعم المصالحة عبر حوار مجتمعي جاد، ومكافحة خطاب الكراهية والتحريض، مع حث المجتمع الدولي على تقديم دعم متعدد المستويات للحكومة لتنفيذ التوصيات، ووقف التدخلات الخارجية التي تهدد الاستقرار والمدنيين.