نبض سوريا - دمشق
تشهد أروقة المشافي الدمشقية انهياراً متسارعاً في بنيتها الخدمية والعلاجية، وسط ظروف معيشية خانقة وشح غير مسبوق في الموارد الأساسية، الأمر الذي ألقى بظلاله القاتمة على حياة آلاف المرضى، لا سيما أولئك المصابين بأمراض مزمنة أو حالات صحية حرجة باتت تقاوم الموت بأقل الإمكانيات.
وفي مؤشر خطير يعكس حجم التردي في إجراءات مكافحة العدوى والتعقيم داخل أحد أبرز الصروح الطبية، رُصدت مؤخراً إصابات مؤكدة بمرض الجلد المعدي "الجرب" ضمن الكوادر العاملة في مشفى المجتهد. هذا الحدث الذي وقع خلف جدران مؤسسة صحية يُفترض بها أن تكون حصناً للنظافة، بات يُنذر بكارثة صحية محتملة جراء انتقال العدوى إلى صفوف المرضى والمراجعين على حدٍ سواء.
ولم يكن مشهد المعاناة أقل فداحة في مشفى البيروني الجامعي، حيث وثّق مرضى السرطان الذين يقصدونه بحثاً عن بصيص أمل وجود حيوانات سائبة داخل غرف العلاج والإقامة. هذه الصورة التي تجسد حجم الإهمال وتآكل البنية التحتية تطرح تساؤلات مُلحة حول مدى سلامة البيئة العلاجية في مكان يُفترض أن يكون أكثر مرافق الدولة تعقيماً ورعاية.
أما في مشفى الأطفال بدمشق، فتبدو ملامح الأزمة واضحة في زحام الأقسام واكتظاظها بالمرضى الصغار، في ظل نقص حاد يعاني منه الكادر الطبي والتمريضي. ويُعزى هذا العجز بشكل كبير إلى موجات التسريح التعسفي التي طالت أعداداً كبيرة من الأطباء المختصين في فترات سابقة، في خطوة قوضت قدرة المشافي على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى وأرهقت الكوادر المتبقية فوق طاقتها.
ولا تقتصر المأساة على جدران المشافي المتداعية، بل تمتد إلى خارجها حيث يقف مرضى زراعة الكلى على حافة الخطر جراء الانقطاع المزمن للأدوية الحيوية. إن غياب عقاقير من قبيل "بورغراف" و"سيلسبت" لا يعني مجرد نقص في الصيدليات، بل يمثل حكماً بالإعدام المؤجل على مرضى تعتمد حياتهم بشكل كامل على جرعات هذه الأدوية الباهظة الثمن التي يستحيل تأمينها خارج قنوات الدعم الرسمي.
وأمام هذا الواقع المأزوم، تستعد مجموعة من مرضى زراعة الكلى وذويهم لتنظيم وقفة سلمية أمام مبنى وزارة الصحة في العاصمة. هذه الوقفة ليست مجرد تحرك احتجاجي عابر، بل هي صرخة إنسانية مدوية يطلقها أناس أنهكهم المرض واستنزفهم البحث عن الدواء في السوق السوداء. وبأسلوب حضاري منظم، يسعى المشاركون إلى جمع العرائض التي توثق بالتفصيل معاناتهم اليومية وبياناتهم الكاملة، تمهيداً لتسليمها إلى الجهات الوصائية، في محاولة أخيرة لوضع هذا الملف الإنساني الثقيل على طاولة صنع القرار بعد سنوات من التهميش.
ويؤكد الداعون إلى هذه الوقفة على سلميتها المطلقة، لكنهم في الوقت ذاته يتمسكون بمطالب واضحة لا تحتمل المماطلة، وفي مقدمتها توفير الأدوية المذكورة بشكل دائم ومجاني وضمان استقرار مصادر توريدها عبر التعاقد مع جهات دولية موثوقة. كما يطالبون بوقف حالة الفوضى الدوائية التي تجبرهم على شراء العلاج بأسعار خيالية، إلى جانب فتح تحقيق جاد لمحاسبة المسؤولين عن أي تقصير أدى إلى هذا التدهور، وإعادة النظر في سياسات الاستغناء عن الكفاءات الطبية التي أضعفت القطاع الصحي.
في النهاية، تعكس هذه التحركات عمق الاحتقان المجتمعي وتحول أزمة القطاع الصحي من مجرد نقص خدمات إلى تهديد مباشر للحياة. وبينما تستغيث المشافي من الإهمال وتختفي الأدوية من الرفوف وتُقصى الخبرات الطبية، يظل التساؤل معلقاً في سماء دمشق: إلى متى سيظل الحق في العلاج معركة يومية من أجل البقاء على قيد الحياة؟
وفي خضم هذا المشهد القاتم الذي تتساقط فيه أرواح المرضى على مذبح الإهمال والتجويع الدوائي، يظل السؤال معلقاً كسيف مسلط على رقاب الضمائر الحية: هل بات لزاماً أن تزهق أرواح المزيد من الأبرياء في دهاليز المشافي المنهكة حتى يُرفع الرأس بالموافقة على خصخصة القطاع الصحي وتسليمه لإدارة المستثمرين والدول الخارجية؟ إن هذا التعطيل المتعمد لأبسط مقومات الحياة، والتلكؤ المقصود في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا يبدو مجرد عجز إداري عابر، بل هو انعكاس صارخ لأسلوب حكومة الأمر الواقع التي تجيد مقايضة آلام الناس برخص أجنداتها، وتتخذ من أنفاس المرضى المحتضرة وقوداً لتمرير مشاريعها تحت يافطة الحلول المفروضة بعد فوات الأوان.