العلويون بين خطابي المواطنة والثأر

  • A+
  • A-

 نبض سوريا - خاص

لا يبدو ما يتعرض له العلويون على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم حادثة منفصلة أو انفعالاً عابراً ولدته قضية رانيا العباسي أو غيرها من القضايا.

 فالمشهد أقدم من ذلك بكثير، وأعمق من مجرد خلاف سياسي أو سجال إلكتروني، نحن أمام خطاب تراكم على مدى سنوات، وتغذّى من التحريض الإعلامي والديني والسياسي، حتى بات جزءاً من الثقافة العامة لدى شريحة واسعة من الناس.


فمنذ السنوات الأولى للحرب السورية، لم يكن العلوي في نظر المحرّضين مواطناً يمكن الاختلاف معه أو محاسبته كفرد، بل كان تهمة جاهزة بذاتها، لم يكن مطلوباً إثبات جرم أو مسؤولية أو مشاركة في حدث ما، إذ كان الانتماء الطائفي وحده كافياً لوضع ملايين البشر في خانة الاتهام الجماعي.


ومع مرور الوقت لم تعد المشكلة في وجود هذا الخطاب، بل في تحوله إلى خطاب مقبول ومكافأ عليه، فبدلاً من عزله ومواجهته، جرى استضافته ومنحه المنابر وإعادة تدويره بأشكال مختلفة.


 وحين يُفترض أن تكون الدولة أو السلطة الانتقالية حَكَماً بين السوريين، وحامياً لفكرة المواطنة المتساوية، بدا في كثير من الأحيان أن الأصوات الأكثر تطرفاً تجد طريقها إلى القرب من مراكز القرار أكثر من الأصوات الداعية إلى التهدئة والعدالة.


ولعل أخطر ما في الأمر أن الحكومة الانتقالية( حتى وإن كانت قادمة من خلفية جهادية تكفيرية) لم تُظهر حتى الآن إرادة حقيقية في مواجهة هذا المناخ، فالشخصيات والحسابات التي تبث الكراهية ليل نهار، وتحرض على العلويين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لا تبدو معزولة أو منبوذة؛ على العكس، كثير منها يحظى بالوصول والنفوذ والشرعية، وكأن التحريض أصبح رأياً سياسياً مشروعاً لا اعتداءً على السلم الأهلي.


في الدول التي تسعى إلى بناء نفسها بعد الحروب، يُنظر إلى خطاب الكراهية باعتباره تهديداً للأمن الوطني. أما في سوريا اليوم، فيبدو أحياناً وكأنه جزء من المشهد الطبيعي. آلاف المنشورات التي تتحدث عن العلويين ككتلة واحدة، وتحمّلهم مسؤولية جماعية عن كل حدث، تمر دون مساءلة حقيقية. 

وعندما تُرتكب انتهاكات بحق أبناء الساحل، أو تُسلب ممتلكاتهم، أو تُخطف فتيات، أو يُقتل مدنيون، فإن كثيراً من الأصوات التي تدّعي الدفاع عن العدالة تلتزم الصمت، وكأن قيمة الضحية تتحدد بهويتها لا بإنسانيتها.


قضية رانيا العباسي مثال واضح على ذلك. فقبل أن تكتمل الصورة، وقبل أن تُحسم الوقائع بصورة نهائية، كان هناك من يعرف مسبقاً ما الذي يريده من القضية، لم يكن يريد معرفة مصير امرأة وأطفالها بقدر ما كان يريد فرصة جديدة لإعادة تشغيل ماكينة التحريض القديمة. فالحقيقة بالنسبة له ليست غاية، بل مجرد أداة؛ فإن خدمت روايته رفعها إلى مرتبة المقدسات، وإن ناقضتها تجاهلها أو أنكرها.


هؤلاء لا يبحثون عن العدالة، لأن العدالة فردية. ولا يبحثون عن الحقيقة، لأن الحقيقة معقدة ومتعددة الطبقات، ما يبحثون عنه هو عدو دائم، والعلويون بالنسبة لهم يؤدون هذا الدور منذ سنوات طويلة. كل أزمة تحتاج إلى متهم جاهز، وكل فشل يحتاج إلى شماعة، وكل مأساة تحتاج إلى مادة لإثارة الغضب الشعبي.


لكن المجتمعات لا تنهار بسبب الكذب وحده، بل بسبب اعتيادها عليه. وعندما يصبح التحريض أمراً عادياً، والتعميم أمراً مشروعاً، والكراهية شكلاً من أشكال التعبير السياسي، فإن الخطر لا يعود محصوراً بطائفة معينة. عندها يصبح الجميع مهددين، لأن المنطق نفسه الذي يستهدف جماعة اليوم سيجد جماعة أخرى غداً.


المشكلة الحقيقية ليست في الذباب الإلكتروني نفسه، هؤلاء موجودون في كل مكان، المشكلة في البيئة التي تمنحهم الشرعية، وفي السلطة التي تتسامح معهم عندما يخدمون مصالحها، وتصمت عنهم عندما يهددون السلم الأهلي، وتتركهم يحددون شكل النقاش العام في بلد أنهكته الحروب والدماء.


لن تبنى سوريا على شعارات الانتقام، ولن تخرج من أزماتها عبر إنتاج عدو داخلي جديد كل يوم، وما يحتاجه السوريون ليس مزيداً من المحرضين، بل دولة تجرّم التحريض أياً كان مصدره، وتتعامل مع مواطنيها كأفراد متساوين في الحقوق والواجبات، لا كطوائف متنافسة على الخوف والدم.


فالأوطان لا تُحفظ بالكراهية، ولا تُدار بالشائعات، ولا تُبنى فوق جثث الحقيقة؛ هذا الاتجاه أعمق لأنه لا يكتفي بالشكوى من التحريض، بل يتحدث عن علاقة التحريض بالسلطة، وبالحكومة الانتقالية، وبفكرة البحث الدائم عن "عدو داخلي" لتبرير الفشل أو حشد الأنصار.