نبض سوريا - متابعة
نشر المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية موجز سياسات جديداً حول مسار العملية الدستورية في سوريا، محذّراً من أن البلاد تقف عند مفترق حاسم قد يحدد شكل نظامها السياسي لعقود مقبلة، في ظل انتقال سياسي يتجه نحو مركزية مشددة وهيمنة واضحة للسلطة التنفيذية.
ويشير التقرير إلى أن العملية الدستورية المرتقبة لا تزال محاطة بهواجس جدية، أبرزها احتمال إعادة إنتاج نموذج رئاسي مفرط الصلاحيات، مع ضوابط شكلية لا ترقى إلى مستوى التوازن بين السلطات. وفي هذا السياق، يركّز التقرير على مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي قد ترسم مسار صياغة الدستور، وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج سياسية ومؤسساتية.
في السيناريو الأول، يُرجّح أن تُحكم السلطة التنفيذية قبضتها الكاملة على العملية الدستورية، عبر تشكيل لجنة تدور في فلكها السياسي وتعمل دون رقابة حقيقية.
ووفق هذا المسار، يتم تهميش المجتمع المدني وإقصاء شرائح واسعة من المشاركة، تحت ذرائع أمنية أو تنظيمية، فيما تتحول أي مشاورات عامة إلى إجراءات شكلية لا تأثير فعلي لها. ويقود هذا السيناريو، بحسب التقرير، إلى تكريس نظام رئاسي غير مقيّد، يُضفي شرعية دستورية على احتكار السلطة.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على احتفاظ الرئاسة بالسيطرة، مع السماح بهامش محدود لمشاركة المجتمع المدني، ورغم أن هذا الانفتاح الجزئي قد يخلق مساحة ضيقة للنقاش العام، إلا أنه يبقى خاضعاً لسقف السلطة، حيث لا تلتزم اللجنة الدستورية بالأخذ بالمقترحات أو حتى الرد عليها.
ومع ذلك، يرى التقرير أن هذا الهامش، وإن كان محدوداً، قد يتيح فرصاً تكتيكية لبعض الفاعلين المدنيين لتنظيم صفوفهم ورفع مستوى الوعي وتوثيق أوجه القصور في العملية.
السيناريو الثالث يربط أي تحول في المسار بمدى فاعلية الضغط الدولي، الذي قد يدفع باتجاه إشراك أوسع للمجتمع المدني وفرض حد أدنى من الشفافية والإجراءات التشاركية. وفي حال ترافق هذا الضغط مع استعداد داخلي وتنظيم مسبق من قبل الفاعلين المحليين، فقد تنجح العملية في إدخال بعض الضمانات، مثل إلزام اللجنة بتبرير قراراتها أو فتح قنوات حوار منظمة مع المجتمع المدني، ومع ذلك، يبقى تأثير هذا السيناريو محدوداً في ظل تمسك السلطة التنفيذية بجوهر السيطرة.
ويخلص التقرير إلى أن السيناريوهات الثلاثة، رغم اختلاف درجاتها، تدور جميعها حول محور واحد: مدى قدرة السلطة التنفيذية على الاحتفاظ بالتحكم الكامل في مسار الدستور، مقابل قدرة المجتمع المدني والضغط الدولي على انتزاع مساحات مشاركة حقيقية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يحذر التقرير من أن استمرار المسار الحالي دون تدخلات فعالة قد يؤدي إلى تثبيت نموذج حكم يعيد إنتاج مركزية السلطة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على التعددية السياسية وبناء دولة شاملة.