نبض سوريا -متابعة
رأى الكاتب والصحفي عبدالله علي أن هناك شيئاً خطيراً يحدث اليوم على مواقع التواصل، موجة تحريض غير مسبوقة تجتاح الفضاء الأزرق، لكن الجديد -بحسب قراءته- ليس في وجود التحريض نفسه، بل في تحوله من استهداف المجرمين إلى إدانة جماعات كاملة.
وأوضح علي، أن"الحديث لم يعد مقتصراً على جرائم ومجرمين، بل بدأنا نسمع كلاماً أكثر خطورة: ادعاءات بأن الجريمة ليست فردية، بل صفة لازمة لجماعة بأكملها، وأنه لا يكفي ملاحقة المجرم وحده، بل يجب أن تتحمل طائفته ومن يشبهونه تبعات ما فعله مؤكدا أن هذه ليست عدالة، بل وصفة مكتملة للفوضى".
ينطلق عبدالله علي من أن من حق الناس أن تغضب، ومن حق الضحايا أن يطالبوا بالإنصاف، ويجب أن يحاسب كل من ارتكب جريمة، مهما كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه، لكنه يؤكد أن هناك خطاً أحمر يجب أن يبقى واضحاً: لا يجوز تحميل جماعة كاملة مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد.
عندما نفعل ذلك حسب الكاتب لا نحقق العدالة، بل نشوهها تماماً، لأن التعميم يسمح للمجرم الحقيقي أن يختبئ بين الناس، ويجعل البريء يعيش في خوف من ظلم لا يستحقه، ويحوّل الغضب المشروع إلى كراهية مفتوحة بلا حدود.
أما العدالة بمنطق عبدالله علي فهي بسيطة وواضحة: أن نسمي المجرم باسمه، ونحاسبه على فعله، ونتجنب محاكمة الناس على هوياتهم وأسمائهم وانتماءاتهم.
ويلفت عبدالله علي الانتباه إلى سؤال حقيقي يتردد في صدور كثير من أبناء الجماعات المستهدفة بالتحريض: لماذا يُطلب منا الاعتراف بآلام الآخرين، بينما آلامنا لا تجد طريقها إلى مسار العدالة المطروح؟
ويصف الكاتب هذا السؤال بأنه مشروع بل مؤلم، ويحتاج إلى إجابة صادقة. فقانون العدالة الانتقالية الذي حصر الملاحقات بجرائم النظام السابق فقط، جعل الكثيرين يشعرون أن آلامهم بقيت خارج الإطار، وأن العدالة لن تصل إليهم. وهذا الشعور يغذي مخاوف أكبر: هل العدالة تسير في اتجاه واحد؟ وهل يمكن أن تتحول الملاحقات إلى غطاء لاستهداف جماعة كاملة؟
ويعترف الصحفي بوجود شكوك لا تقال صراحة حول قدرة الجهة التي تدير العدالة على طمأنة الجميع، مؤكداً أن هذه المخاوف موجودة في النفوس ولا تختفي بمجرد تجاهلها.
وشدد عبدالله علي على حقيقة لا يجوز تجاوزها: هذه المخاوف كلها لا تبرر الدفاع عن مجرم، ولا إنكار جريمة، ولا مهاجمة جماعات أخرى. فالشعور بالظلم لا يمنح أحداً حق ارتكاب ظلم أكبر.
ويقدم عبدالله وصفة واضحة: لا ندافع عن أي مجرم، أياً كان انتماؤه ولا نقبل اتهام جماعة كاملة، مهما كان الثمن ولا نقدم اعتذارات جماعية عن جرائم لم نرتكبها ولا نرد على التحريض بتحريض مضاد.
واختصر موقفه بقوله: نريد محاسبة كل مجرم، وإنصاف كل ضحية، ونرفض أن تتحول العدالة إلى اتهام جماعي أو إذلال أي جماعة تحت أي ذريعة.
ويحذر علي من الخطأ الكبير والمميت: أن نقول "طالما لا يعترفون بآلامنا، لن نعترف بآلامهم" فبهذه الطريقة، حسب رأيه، لا نصلح شيئاً، بل نكرر الخطأ نفسه. فالألم المتبادل لا يُعالج بمضاعفته.
الطريق الصحيح -كما يرى عبدالله علي- ليس سهلاً، لكنه الطريق الوحيد الذي يحمي الجميع: أن نتمسك بالعدل، حتى عندما لا يلتزم به الآخرون.
نحن اليوم -وفق عبدالله علي- أمام خيارين واضحين: إما أن نقول بصوت ثابت: المجرم يُحاكَم لأنه مجرم، وليس لأنه ينتمي إلى جماعة معينة وإما أن نسمح لمنطق محاكمة الناس لأنهم يشبهون مجرماً أو يحملون اسماً معيناً أن ينتصر.
يحذر عبدالله علي من أن هذا المنطق الثاني، إذا فتحنا بابه اليوم، لن يتوقف عند أحد غداً، وسيتحول إلى آلة طائفية لا تعرف الرحمة، فتحوّل البلد إلى ساحة خوف وانتقام.
يختم الكاتب مقاله برسالة واضحة: نريد عدالة تحمي الناس، لا عدالة تزرع الكراهية نريد محاسبة المجرمين، لا إذلال الجماعات. نريد بلداً آمناً، لا بلداً يعيش على الثأر والخوف المتبادل.
هذه -بحسب عبدالله علي- ليست مجاملة لأحد، بل القاعدة الوحيدة التي تحمي الجميع فمن يقبل اليوم اتهام جماعة كاملة، عليه أن يتذكر أن الدور قد يصل غداً إلى جماعته هو شخصياً، ومن يريد وطناً لا يخاف فيه الناس من أسمائهم، يجب أن يرفض ثقافة التحريض والتعميم من الآن، قبل أن تصبح الفوضى الطائفية قدراً محتوماً.